الصفحة 2678 من 3812

وهذا أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ يقر مبدأ الحسبة السياسة عقب توليه الخلافة مباشرة؛ إذ خطب الناس وقال لهم: «راعوني! فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوِّموني» (3) ، مما يبين أن الحسبة ليست قاصرة على الرعية دون الولاة؛ لأن الكل في ميزان الشرع عبدٌ لله، والحاكم والمحكوم كلاهما مطالَب بعبادة الله وحده وطاعته واتباع ما شرعه، وما طلبه أبو بكر ـ رضي الله عنه وأرضاه ـ من الصحابة لا يتأتى منهم إلا بعد المتابعة والمراقبة التي بها يتمكنون من معرفة الإحسان والاستقامة أو الإساءة والزيغ، وهذا عمر ـ رضي الله تعالى عنه ـ يقول: «إني والله! ما أُرسل عمالي إليكم ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم ولكن أرسلهم إليكم ليعلِّموكم دينكم وسنتكم؛ فمن فُعِلَ به شيء سوى ذلك فليرفعه إليَّ؛ فوالذي نفسي بيدي إذًا لأقصنِّه منه، فوثب عمرو بن العاص، فقال: يا أمير المؤمنين! أوَ رأيت أن كان رجل من المسلمين على رعية فأدَّب بعض رعيته أئنك لمقتصه منه؟ قال: إي والذي نفس عمر بيده إذًا لأقصنه منه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه: ألا لا تضربوا المسلمين فتذلوهم، ولا تجمِّروهم (4) فتفتنوهم، ولا تمنعوهم حقوقهم فتكفِّروهم، ولا تنزلوهم الغياض (5) فتضيعوهم» (6) ، فعمر ـ رضي الله عنه ـ يحض رعيته على عدم السكوت على ظلم الولاة، ويوجه الولاة بعدم منع المسلمين حقوقهم والعمل على راحتهم والحفاظ عليهم، بل إن الحسبة لا تمتنع حتى في اللحظات الصعبة كلحظات الحرب ونحو ذلك؛ فقد حفظت لنا الوقائع ما كان من أمر عمر عندما أراد أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ قتال مانعي الزكاة فاعترض عمر، وقال: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ فمن فعل ذلك فقد عصم مني ماله ودمه إلا بحقه وحسابه على الله» ؟ فبين له أبو بكر وجه الصواب في موقفه حتى ظهر الأمر لعمر، وتبين له صواب موقف الصدِّيق وسداد رأيه، ولم يرفع أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ في وجه عمر ـ رضي الله عنه ـ تلك المقولة الزائفة: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة.

والقصد أن حالة الحرب لم تمنع من الحِسْبة؛ فالمحكوم بَذَلَها، والحاكم قَبِلها؛ لأن الحسبة ليست كالمعارضة لتحقيق مكاسب ذاتية، وإنما هي ضمانة الحفاظ على الأمة وعلى الشريعة، وقد كان الحفاظ على الشريعة وتقديم كتاب الله هو أوْلى ما يحرص عليه المؤمنون؛ وقال: «إني مخاصم» (7) ، وقد كانوا يتواصون فيما بينهم بذلك. فعن الحسن: «أن زيادًا استعمل الحكم بن عمرو الغفاري على جيش فلقيه عمران بن حصين في دار الإمارة فيما بين الناس، فقال له: أتدري في ما جئتك؟ أما تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغه الذي قال له أميره: قم فقع في النار، فقام الرجل ليقع فيها فأدركه فأمسكه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو وقع فيها لدخل النار، لا طاعة في معصية الله، قال الحكم: بلى! قال عمران: إنما أردت أن أذكِّرك هذا الحديث» (8) .

ولم يكن الولاة يمنعون الرعية من الاحتساب، ولا يستخدمون سلطانهم أو قوتهم في تعطيلهم أو عرقلتهم عن القيام بذلك؛ فهذا عمر ـ رضي الله عنه ـ وقد رأى رأيًا في الأرض المغنومة وخالفه في ذلك الفاتحون واحتجوا عليه بما يرونه حجة لهم، فلم يلزمهم ولم يقهرهم، وإنما أخذ يحاججهم بما يرى صوابه ومصلحته؛ فعن نافع مولى ابن عمر يقول: أصاب الناسُ فتحًا بالشام فيهم بلال وأظنه ذكر معاذ بن جبل ـ رضي الله عنهما، فكتبوا إلى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ: إن هذا الفيء الذي أصبنا، لك خمسه ولنا ما بقي، ليس لأحد منه شيء كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم بخيبر. فكتب عمر ـ رضي الله عنه ـ: إنه ليس على ما قلتم، ولكني أقفها للمسلمين، فراجعوه الكتاب وراجعهم: يأبون ويأبى، فلما أبَوْا قام عمر ـ رضي الله عنه ـ فدعا عليهم فقال: اللهم اكفني بلالًا وأصحاب بلال،...، قال الشيخ ـ رحمه الله ـ: قوله ـ رضي الله عنه ـ: أنه ليس على ما قلتم؛ ليس يريد به إنكار ما احتجوا به من قسمة خيبر؛ فقد رويناه عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويشبه أن يريد به ليست المصلحة فيما قلتم، وإنما المصلحة في أن أقفها للمسلمين، وجعل يأبى قسمتها لما كان يرجو من تطييبهم ذلك، وجعلوا يأبون لما كان لهم من الحق؛ فلما أبَوْا لم يُبرم عليهم الحكم بإخراجها من أيديهم ووقفها، ولكن دعا عليهم؛ حيث خالفوه فيما رأى من المصلحة، وهم لو وافقوه وافقه أفناء الناس وأتباعهم، والحديث مرسل والله أعلم» (9) ، والشاهد أن عمر ـ وهو الإمام ـ لم يقهرهم على رأيه الاجتهادي، بل ظل يراجعهم ويراجعونه، ويأبى عليهم ويأبون عليه، وكان أقصى ما عمله معهم أن لجأ إلى الله بقوله: «اللهم اكفني بلالًا وأصحاب بلال» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت