فهرس الكتاب
لقد كانت الحسبة في حس وشعور المسلمين حتى في عوامهم الذين قد يتصور عدم تنبههم لمثل ذلك، ولكن الإسلام قد ربَّاهم على ذلك، فصاروا يتصرفون في هذا الأمر وكأنه أمر جِبِلِّي؛ فقد ورد في أخبار عمر ـ رضي الله عنه ـ عن أسلم مولى عمر قال: «خرجنا مع عمر بن الخطاب إلى (حَرَّة واقم) حتى إذا كنا بصرار إذا نار، فقال: يا أسلم! إني لأرى ها هنا ركبًا قصَّر بهم الليل والبرد، انطلق بنا! فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا بامرأة معها صبيان صغار وقِدْر منصوبة على نار وصبيانها يتضاغون، فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء! وكره أن يقول: يا أصحاب النار، فقالت: وعليك السلام، فقال: أدنو؟ فقالت: ادْنُ بخير أو دَعْ! فدنا فقال: ما بالكم؟ قالت: قصَّر بنا الليل والبرد، قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: الجوع، قال: فأي شيء في هذه القدر؟ قالت: ما أُسكِتُهم به حتى يناموا؛ واللهُ بيننا وبين عمر. فقال: أَيْ رحمك الله، وما يُدري عمرَ بكم؟ قالت: يتولى عمر أمرنا، ثم يغفل عنا، قال: فأقبل عليَّ؛ فقال: انطلق بنا، فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عِدْلًا من دقيق، وكُبَّة من شحم، فقال: احمله عليَّ! فقلت: أنا أحمله عنك، قال: أنت تحمل عني وزري يوم القيامة؟ لا أُمَّ لك. فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئًا، فجعل يقول لها: ذُرِّي عليَّ وأنا أحرِّك لك، وجعل ينفخ تحت القدر، ثم أنزلها، فقال: أَبغيني شيئًا! فأتته بصحفة فأفرغها فيها، ثم جعل يقول لها: أطعميهم وأنا أسطح لهم، فلم يزل حتى شبعوا وترك عندها فضل ذلك وقام وقمت معه، فجعلَتْ تقول: جزاكَ الله خيرًا؛ كنتَ أوْلى بهذا الأمر من أمير المؤمنين، فيقول: قولي خيرًا إذا جئت أمير المؤمنين، وحدثيني هناك إن شاء الله، ثم تنحى ناحية عنها، ثم استقبلها فربض مربضًا، فقلنا له: إن لنا شأنًا غير هذا؟ ولا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون ثم ناموا وهدؤوا، فقال يا أسلم! إن الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت» (10) ، فالمرأة تقول: واللهُ بيننا وبين عمر، وتقول أيضًا: يتولى عمر أمرنا ثم يغفل عنا؟ ثم تقول له وهي لا تعرفه ـ بعدما أتاها بالمعونة: ـ جزاك الله خيرًا، كنتَ أوْلى بهذا الأمر من أمير المؤمنين، والمقصود أن هذه المرأة الفقيرة كانت تفهم ما يجب على ولي الأمر فعله، وهي تقرر أن الأوْلى بذلك المنصب مَنْ يقوم على شؤون رعيته ويعتني بهم ولا يغفل عنهم. إنه لم يخلُ عصر من عصور المسلمين من القيام بالحسبة في ذلك الجانب؛ ومرادنا التمثيل لا الحصر، والقيام بتنظيم هذا الأمر يساعد على تثبيته في أذهان الناس، ويكون أدعى لاستمرار العمل به.
بين الحِسْبة السياسية والمعارضة السياسية مفارقات وموافقات: عندما نقارن بين ما لدينا من الحسبة السياسية وبين المعارضة السياسية الوافدة إلينا والتي يراد لها الذيوع والانتشار والغلبة على مصطلحاتنا السياسية الشرعية، يتبين الفرق الكبير بين الأمرين؛ بحيث لا يمكن لمن عقل وابتعدت نفسه عن الأهواء المردية إلا أن يحرص على الحِسْبة السياسية ويتمسك بها ويدعو إليها، وإن كان هناك بعض الموافقات بين الحِسْبة والمعارضة وخاصة في الألفاظ العامة، لكن الاختلافات تظهر بقوة عند التفاصيل؛ فقد يقال في المعارضة كما يقال في الحسبة بضرورة اتباع العدل؛ لكن مفهوم العدل في شرعنا غير مفهوم العدل في الفكر السياسي الغربي وهكذا، ومن هنا يمكننا أن نقرر أن الخلاف بين الحسبة السياسية وبين المعارضة السياسية خلاف كبير وعميق، وهو أعمق بأكثر مما يتخيله كثير من الناس؛ إذ إن ما بينهما من الخلاف في الأصول والدوافع والغايات يربو بكثير جدًا على ما بينهما من الموافقات في الفرعيات؛ فالموافقات في أغلب أمرها ما هي إلا موافقات ظاهرية.
الحرية الحقيقية: الحرية تعني الخروج من أسر القيود، والانعتاق من ذل العبودية، والحر يقابله العبد، لكن متى يكون الإنسان حرًا حقيقيًا وليس عبدًا؟ إذا كان الإنسان لا تكبله نفسه، ولا تكبله أعراف المجتمع، ولا تكبله السلطة القائمة، أي خرج من أسر عبودية النفس والمجتمع والحكومة؛ فهو قد استوفى مظاهر الحرية، لكن متى يحدث ذلك؟ إن ذلك لا يحدث في الحقيقة إلا إذا كان الإنسان ملتزمًا بالشريعة متقيدًا بها مقاومًا كل ما يشوش على ذلك الالتزام، وإلا فإن الإنسان واقع لا محالة في نوع أو أكثر من أنواع العبودية؛ بحيث تنتفي حريته الحقيقية؛ إذ الإنسان منذ أن يولد تشده القيود المادية بوصفه مخلوقًا لا يملك الخروج عن نظام الكون، فهو مجبر على ذلك؛ فإن الجاذبية مثلًا تشده ولا يملك الانفكاك منها، وهكذا. ثم تبدأ القيود المعنوية في الورود عليه، فإذا لم يكن عليه قيد غير قيد الشريعة، كان الإنسان بذلك حرًا حقًا؛ لأنه لا يقيده إلا خالقه. أما إذا ابتعد عن الشريعة فإنه يدخل في نطاق قيود أخرى متشاكسة في أكثر الأحيان، ويفقد الإنسان بذلك حريته الحقيقية وإن بدا له في الظاهر أنه حر في أن يعتقد ما يشاء، وأن يقول ما يشاء، وأن يفعل ما يريد.
فالحسبة التي تعيد الإنسان إلى مجال قيد الشريعة فقط، وتخرجه من مجال القيود الباطلة، فتقيمه على الجادة وتبعده عن بُنَيَّات الطريق، هي مظهر أصيل من مظاهر تحرر المسلم وتحلله من القيود الباطلة التي تعيق حركته.