الصفحة 2680 من 3812

إن الانفلات من كل ضابط والخروج من كل قيد والذي يعد أقصى مدى للحرية عند كثير من الناس هو في حقيقته أقصى مدى للعبودية؛ حيث يصير الإنسان عبدًا لنفسه وشهواته وللشيطان، وهذه هي الحرية التي يوفرها الفكر السياسي الغربي الذي تنطلق منه المعارضة السياسية، وفي هذا الفكر فإن الإنسان له أن يضر نفسه وأن ينتحر ليتخلص من حياته؛ إذ لا ضرر من ذلك على أحد، وهو القيد الوحيد على الحرية في ذلك الفكر. بينما المسلم لا يجوز له إيقاع الضرر على نفسه حتى ولو لم يكن في ذلك ضرر على الآخرين؛ فللإنسان في هذا الفكر التعامل بالربا، وشرب الخمور، وتكوين العلاقات الجنسية مع غير الزوجات، ونحو ذلك، مما لا ضرر فيه على غير من يزاوله.

والمعارضة يمكنها انطلاقًا من دعوى الحرية الشخصية أن تتبنى الدعوة إلى الزواج المثلي، أو حق إباحة الإجهاض، وغير ذلك من الأمور؛ وقد حدث إقرار ذلك في المؤتمرات الدولية التابعة للأمم المتحدة على أن هذا من الحرية التي هي حق لكل إنسان ولا يمكن تقييدها.

والحسبة تمنع الضرر سواء كان يوقعه الإنسان على نفسه أو على غيره لعموم الأدلة المانعة من ذلك، وللقاعدة الشرعية الثابتة بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» (11) . ومنع الإنسان من أن يضر نفسه لا يعد في فقه الحسبة تدخلًا في الحرية الشخصية؛ لأن الإنسان لم يخلق نفسه، ومن ثَمَّ فإن الذي خلقها هو الذي يملكها، وهو الذي يشرِّع لها.

بين الإعلان والتغيير: الحسبة السياسية تقوم على إحداث التغيير المطلوب وفق المقررات الشرعية انطلاقًا من النصوص المتكاثرة الداعية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كقوله ـ تعالى ـ: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً} [الأنفال: 25] ، وكقوله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرًا فلغيره.. » الحديث (12) وكقوله صلى الله عليه وسلم: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه» (13) . فالمطلوب منع الباطل من الوقوع، وكفه عن التمادي في باطله أثناء فعله، وتغييره بعد وجوده؛ فالدعوة للتغيير وليس للإعلان فقط، وهذا يعني أن النظام السياسي الإسلامي لا يقف من المنكرات موقفًا سلبيًا، بل موقفه إيجابي؛ فهو داعٍ إلى التغيير وآمر به، وهو أكثر من مجرد السماح بذلك، ولا بد أن تكون فيه من الآليات ما تمكن من ذلك، وعند امتناع الحكومة عن الاستجابة على أساس أنها لا ترى ما تراه الحسبة؛ فإنه بالإمكان اللجوء إلى المحكمة للفصل في ذلك، والذي يكون حكمها ملزمًا للأطراف جميعًا.

والحسبة ينبغي أن تكون قوية، وهي تأخذ قوتها من كونها مؤسسة على أمر الشرع كما قال ـ تعالى ـ: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ} [آل عمران: 104] ، لكن لا تدفعها قوتها في مقابل السلطة إلى أن تكون بديلًا عنها، أو أن تحاول الاستيلاء على السلطة؛ لأن طلب الحكم والسعي في الوصول إليه ممنوع بمقتضى النصوص الشرعية التي تحظر على المسلمين طلب الولاية، وإذا وصلت الأمور بالحكومة إلى أن تخرج عن الحد الذي ينبغي فيه عدم منازعتها؛ فإن الحسبة السياسية ليست هي البديل، وكذلك الأمر إذا دعت الحسبة إلى حجب الثقة أو إلى السعي في تغيير السلطة؛ لأنه عندما تخرج السلطة الحاكمة عن حدود الشرعية وتصبح بمقتضى الأحكام الشرعية لا حق لها في تولي الأمر، ويصير تغييرها مطلبًا شرعيًا؛ فإن البديل ليس هو أهل الاحتساب، وإنما البديل من تنطبق عليه الصفات ويحقق الشروط فيمن يتولى الأمر، ولا تتم توليته إلا بالطرق الشرعية المعلومة في كيفية اختيار الولاة، وليس من ذلك بالطبع استخدام القوة وشهر السلاح، كما أسلفت، ولعل هذا يكون أحد أسباب التعاون والتفاهم بين الحكومة والحسبة؛ إذ ليس واحد منهما ينافس الآخر، بل كل منهما يعمل من أجل مصلحة الأمة.

وأما المعارضة السياسية فليس فيها سوى الإعلان أن ذلك الأمر الفلاني باطل، وتنظيم مظاهرة من أجل ذلك، أو الإضراب كنوع من الاعتراض على ما يرونه من الأمور باطلًا، لكنهم لا يملكون التغيير؛ لأن التغيير بيد الأغلبية، وكل ما تملكه المعارضة تنبيه الأغلبية على ذلك، أو إشعار العامة على أمل أن يكون ذلك رصيدًا لهم في الانتخابات القادمة. وفي الجانب المقابل فإن المعارضة قد يدفعها شعورها بالقوة المتزايدة في مقابل السلطة فتقوم بتنظيم المظاهرات والإضرابات التي تعجل أو تعمل على إسقاط الحكومة القائمة لتحل محلها، وهذا يجعل العلاقة بينهما علاقة تضاد وشكوك وارتياب، مما يترتب عليه سعي كل منهما في تعطيل الآخر وتعويقه لإخراجه من حلبة المنافسة حتى ينفرد هو بالتحكم في القرارات والاستقلال بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت