فهرس الكتاب
السعي للسلطة: الحسبة في عملها تسعى لإقامة المجتمع على الجادة، والجادة لا يراد بها هنا الحالة الدينية فقط؛ إذ إن من المعلوم أن الإنسان ليس روحًا فقط، وإنما هو روح وجسد، والجسد له متطلباته سواء في حالة انفراده أو اجتماعه؛ ولذلك فإن المجتمع في حاجة إلى أن يقام على الجادة في أمور كثيرة كالتعليم والصحة والسياسة والاقتصاد، وفي كل ذلك جاءت تشريعات أو أحكام: إما منصوص عليها، وإما يُجتهد فيها من خلال النصوص الموجودة، وإما أحكام تُستنبط من القواعد الأصولية أو القواعد الفقهية، والحسبة تعمل على التزام المجتمع بذلك: فتبصره بذلك عن طريق العلم، وتعينه عن طريق تيسير سبيل الالتزام، وتكف عنه العوائق والعوارض التي تعمل في الاتجاه المعاكس؛ كل ذلك ابتغاء وجه الله ـ تعالى ـ ورضوانه؛ فالهمة أصلًا متوجهة إلى الإصلاح: سواء إصلاح المجتمع، أو إصلاح الحكومة، والإعانة على ذلك. وأما المعارضة فإن جهدها كله منصبٌّ على الوصول إلى الحكم، وما تظهره من آراء أو أقوال أو تصورات أو اعتراضات، وما تقدمه من رؤى في الإصلاح؛ فإن الهدف من ذلك أن يكون معينًا ومساعدًا في الوصول إلى الحكم؛ فالهمة متوجهة إليه أصلًا، وليس تغيير الحكومة إذا فسدت أو خرجت عن حد الصلاح، أو لم تعد قادرة على ضبط الأمور، أو تأخرت أحوال الأمة في زمنها تأخرًا بينًا يعد عيبًا أو شيئًا يمنعه الإسلام. لكن الذي يأباه الإسلام ويمنعه أن يتخذ الخلاف في الرأي في مسائل كلها من قبيل الاجتهاد ذريعة لتغيير حكومة مستقرة قائمة بما وجب عليها، محققة للغرض الذي نُصبت من أجله، غير مقصرة فيما هو مطلوب منها، وليست ظالمة لرعيتها بمنعها من حقوقهم الشرعية.
القدرة على التأثير: الحسبة لا تعتمد في عملها على قوتها العددية، وإنما ينبثق عملها من الاحتكام إلى محددات وأمور متفق عليها بين الجميع، وتملك الإلزام بالحق عن طريق اللجوء إلى المحكمة؛ بينما المعارضة تعتمد في عملها وقدرتها على التأثير في القرارات لا على صواب منطقها ولا جودة رأيها وفائدته للأمة، وإنما تعتمد على الكثرة العددية؛ فإذا استطاعت أن يكون لها الغلبة العددية فحينئذ تملك القدرة على التأثير وتحقيق ما تريد، حتى ولو لم يكن رأيها صوابًا؛ إذ الصواب هو موافقة الأكثر عليه، فالصواب ليس شيئًا زائدًا عن ذلك. أما إذا لم تستطع أن تستقطب حول مشروعها الأغلبية الكافية فإنها لا تستطيع التأثير، ولو كان ما تذهب إليه هو الصواب نفسه؛ لأنها فقدت شرط الصواب الذي يُعَوَّل عليه وهو الحصول على الأغلبية، ويصبح تأثيرها في ذلك لا يتعدى كونه ظاهرة صوتية إلا أن تتعدى حدود المشروعية في النظام الذي يحدد عملها، فتخرج إلى الشارع وتخاطب العامة وتستثيرهم لاتخاذ مواقف ضاغطة على الحكومة عن طريق التظاهر والإضرابات وتعطيل الأعمال وغير ذلك. لكن هذا يعد خروجًا على النظام الذي ينظم المعارضة، فالمعارضة يمكنها إلقاء خطبة عصماء، أو كتابة مقالة أو كتاب مدعوم بالحجج والبراهين والأدلة والوثائق وكل ما يحتاج إليه في إثبات صواب الرأي، ثم بعد ذلك كله فإن الذي يحسم القضية هو الكثرة العددية؛ حيث يتم عد الأصوات الموافقة والمخالفة ثم تكون الغلبة في النهاية أو الفيصل بين الحق والباطل لأصحاب العدد الأكبر، بل قد تملك الأغلبية سن تشريع أو نظام أو قانون تمنع به المعارضة أو تعرقل بعض أنشطتها، وتحبط مشروعات القرارات التي تتقدم بها المعارضة.
وفي حالات الاستقامة النفسية والإخلاص والتجرد من الأغراض الذاتية قد تكون الكثرة العددية دالة على رجحان الرأي الذي هي في صفه، لكن في أوقات أخرى مثل حالات فساد الذمم، واعوجاج النفوس، وحالات الضعف الفكري، وسيطرة الدعاية والإعلام والإعلان على العقول والأفكار، لا يأتي من وراء ذلك إلا الأقدر على الدعاية والإعلان والأكثر كذبًا وخداعًا بغض النظر عن الصواب والخطأ.
وإذا علمنا أن النظام الذي يعتمد المعارضة لا يشترط فيمن يزاولون السياسة (مرشحين وناخبين ـ معارضة وحكومة) شروط تحول ببن الكذب والخداع مثل التقوى والعمل الصالح وأداء الفرائض واجتناب الكبائر؛ فإن هذه الأساليب الممقوتة تروج بينهم بكثرة شديدة، ولو قال قائل: بل ينبغي اشتراط قدر من التقوى والعمل الصالح يمنع الكذب والخداع، وقدر من الغنى يمنع من الخيانة ويدعو إلى الأمانة، وقدر من العلم يمنع من الانجراف وراء الآلة الإعلامية، قيل: ليست هذه هي المعارضة، وينبغي أن يبحث لها عن اسم آخر؛ إذ المعارضة عندهم إحدى نتائج فكرة كلية تقول: إن الشعب هو صاحب الكلمة العليا في شأن سياسة المجتمع وتنظيمه، والشعب هو كل مواطن بالغ عاقل بغضِّ النظر عن دينه أو علمه ومنزلته وجاهه، فيستوي الجميع في هذه السيادة التي تكفل لهم الحرية المطلقة، ولو طلبنا اشتراط قدر من التقوى لهاجمنا أصحاب ذلك الفكر وعدُّوا ذلك انتقاصًا من تلك الحرية.