فهرس الكتاب
والقدرة على التأثير من المعارضة شكلية إلى حد كبير جدًا؛ إذ إن الرأسماليين أصحاب رؤوس الأموال هم الفئة المسيطرة في الحقيقة على المجتمع، وهم مُلاَّك وسائل الإعلام التي يقومون بتوجيهها لصناعة الرأي العام من أجل مصالحهم ومصالح طبقتهم، وقد أصبح وجود وسيلة إعلامية ليس لها من هَمٍّ سوى تقديم المعلومة الصائبة، بغض النظر عمن تخدمه تلك المعلومة، أمرًا عسيرًا، بل نادرًا؛ لأن هذه الوسائل إنما تعمل في خدمة ملاكها الذين يهمهم توجيه المجتمع إلى حيث مصلحتهم، ثم إن التكلفة المالية الضخمة لممارسة العمل السياسي من حيث الدعاية والإعلان لا يقدر عليها إلا كبار الأثرياء، وهذا ما يحول بين فئة كبيرة من الناس من المشاركة في العمل السياسي، أو تجعلهم رهينة في أيدي أحزابهم التي تنفق على حملاتهم السياسية؛ فقد تصل تكلفة بعض الحملات الانتخابية للرئاسة عشرات الملايين، وفي بعض البلدان تصل تكاليف الحملات الانتخابية إلى عدة مئات من ملايين الدولارات؛ فمن الذي يقدر على ذلك؟ وهذا كله يمنع في النهاية من أن تكون هناك معارضة حقيقية نابعة من رؤية الفرد الخاصة إذا كانت تخالف رؤية الحزب، فعندما توجد مثل هذه الرؤية الخاصة فإن الأفراد لا يملكون البوح بها وإظهارها، إلا إذا كانوا قد قرروا ترك الحزب، وهذه هي الحرية التي يتشدقون بها، وإذا ما خرج من الحزب فإنه يفقد مكانته السياسية لعدم قدرته على الإنفاق في غالب الأحيان، وهو في هذه الحالة بين أمرين: إما أن يتقاعد سياسيًا، وإما أن يتحول إلى حزب آخر سوف يمارس معه الدور نفسه بعد قليل.
وإذا كان الوصول إلى المقاعد النيابية لا يستطاع إلا بالإنفاق؛ فهذا يعني أن المعارضة لا تتاح حقيقةً إلا للأغنياء الذين لديهم الأموال الكافية التي تمكنهم من المحافظة على آرائهم. لقد أثبت ذلك النظام إخفاقه الشديد في بلدين يُنظَر إليهما على أنهما من البلاد التي تتمتع بالحرية الكاملة والمعارضة القوية؛ فقد شنت أمريكا وحليفتها بريطانيا الحرب على العراق بدعوى امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل التي تهدد السلام العالمي، ولا بد من القضاء على ذلك كشرط أساس حتى ينعم العالم بالسلام والأمان، وظل النظامان يرددان تلك الأكذوبة فترات طويلة، ثم ظهر بعدما شنوا الحرب وقتلوا أكثر من مائة ألف عراقي أن ذلك كله كان كذبًا في كذب، وقد اضطر نظاما الحكم في البلدين إلى الاعتراف بكذب المعلومات التي استندوا إليها في شن الحرب، وأنه قد جرى تزويدهم عمدًا بمعلومات غير صحيحة من قِبَل أجهزة مخابراتهم؛ فماذا فعلت المعارضة بعد ذلك؟ لم تتمكن المعارضة من فعل شيء؛ لأن الأمور يحكمها في النهاية عدد الأصوات، وقد نجح رئيسا البلدين في الفوز في الانتخابات التي أجريت بعد ذلك مع تلك المصائب.
التعددية وأثرها على الواقع: التفاوت والفروق الفردية بين الناس أمر مدرَك لا يمكن جحده وله ما يسوِّغه؛ إذ لا يمكن صب الناس في قالب واحد وخاصة في الأمور الاجتهادية سواء كانت مما يتعلق بالدين أو بالدنيا، وعلى ذلك فإن الشريعة تعترف باختلاف المشارب والقدرات وما ينتج عن ذلك من تعدد في الرؤى، ومن ثم فهي لا تنظر إلى هذا التعدد أو تقف منه موقف المستريب أو تعمل على القضاء عليه بكل سبيل، ما دام أنه داخل الحدود المعتبرة، كما أن هذا التعدد لا يكون مصدر ضعف بل يكون مصدر رحمة وتوسعة كما قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. ثم إن هذا التعدد محكوم في النهاية بإطار يقلل من التعدد الواهي الذي يضعف الأمة، ويمنع من التعدد الانفلاتي القائم على الحرية المطلقة (15) وفق الفكر السياسي الغربي؛ حيث تتعدد قوى المعارضة وتأخذ اتجاهات شتى في ظل عدم وجود إطار يحصر هذه القوى، مما يضعف هذه القوى جميعًا؛ فلا يصير لها من أثر على واقع الحياة السياسية؛ فإذا أرادت التأثير فإنها تعمد إلى أن تكون كتلة واحدة (أو ما يسمى بالتكتل) حتى تستعين بعدد هذه الكتلة للوقوف أمام الحكومة فتعرقل قراراتها أو مشروعاتها أو تحبطها، وهنا يتحول الواقع السياسي إلى مشهد البحث عن تضخيم المكاسب والمغانم، وتقليل الخسائر والمغارم، فلم يعد المشهد مشهد الحفاظ على مصلحة الأمة، ويكون المشهد في ذلك أقرب إلى مشهد المعارك والحروب لا مشهد التعاون والتعاضد، وتظهر اتهامات بالفساد المتبادل بين الطرفين سواء بالحق أو بالباطل في إطار حملة كسب تأييد الرأي العام أو الشعبي إلى صفه.
ثم إن المعارضة في تكتلها تضطر إلى التنازل عن شيء من خطتها في سبيل جمع الكلمة والالتقاء حول قاسم مشترك يُتفق عليه لمواجهة الحكومة؛ فقد تحولت فكرة مواجهة الحكومة إلى أصل يلتقي عليه الجميع، وهذا مما يبين كيف أن الأسماء تؤثر على الأفعال والتصرفات؛ فكون أن اسمها معارضة يجعلها تعمل وتتصرف على خلاف الحكومة حتى لا تفقد مسوِّغ وجودها أو تميزها عن الحكومة، حتى وإن كان ذلك في أمور ليست جوهرية.
ثم إن المعارضة إذا قبلت بمبدأ التنازل عن بعض تصوراتها أو خططها من أجل التوحد في مواجهة الحكومة؛ أفلا يكون من الأجدى لها التنازل عن بعض تلك التصورات أمام الحكومة للوصول إلى قاسم مشترك فيه مصلحة الأمة؟ لكن إذا كان الهدف هو الوصول إلى السلطة فإن هذا الحل يصبح غير مناسب، وإذا قيل: لا، بل لأن الخلاف كبير ولا يمكن الوصول بشأنه إلى حل وسط، وأن ذلك التصرف يمثل خيانة لطموحات الشعوب وآمالها؛ فهذا يعني أن هذا النظام لا يصلح إلا عند وجود التباين الشديد والتنافر العظيم بين مكوناته وأجزائه.