فهرس الكتاب
الحجة والمرجعية: الحسبة تنطلق من نظام سياسي يعتمد الشريعة حجة ومرجعًا يُرجَع إليه، ومن ثَم فما وافق الشريعة فهو حق وصواب، وما خالفها فهو خطأ وباطل، بغض النظر عن أعداد القائلين في كل حالة. ويمكن الاعتراض على القرارات والتشريعات ولو كانت متعلقة بالأمور الدنيوية إذا كان فيها ما يخالف الشريعة، أو كان يترتب عليها عَنَتٌ ومشقة على الرعية بغير مسوِّغ، حتى لو أقرت ذلك السلطة الحاكمة، ويمكن الاعتراض على ذلك في حالة عدم استجابة الحكومة أمام المحكمة، ويصير حكم المحكمة ملزمًا للأطراف كلها؛ فالإلزام إنما يكون بالشريعة؛ وفي هذا محافظة كبيرة على مكانة أفراد الأمة والاعتراف بكرامتهم.
وأما المعارضة فإن الحجة فيها راجعة للأغلبية فلا يمكن وصف رأي أو تَصوُّر بالبطلان ـ حتى لو كان خطأ تمامًا ـ إذا حاز على الأغلبية ووافقت عليه الأكثرية؛ إذ لا معنى للصواب عندهم إلا أن يكون ذلك مُوافَقًا عليه من الأغلبية، وحينئذ يمتنع الاعتراض عليه أمام المحاكم، ويصبح نافذ العمل بمجرد إقراره، وتكون في النهاية الأغلبية هي المتحكمة في مصائر الأمة، حتى لو كانت أغلبية صورية أو كانت أغلبية جاهلة أو فاسدة.
الاستمرارية في العمل: الحسبة وجودها ونشاطها غير مرتبط أو متوقف على الاعتراض على تصرفات الحكومة، بل هي تعمل مع الحكومة في الاتجاه نفسه، وتشارك عن طريق العمل الإيجابي مع الحكومة في تحقيق أهداف المجتمع؛ ولذلك فإن الحسبة تظل مزدهرة في حالة استقامة الراعي وفي حالة اعوجاجه، ولذلك قال أبو بكر ـ رضي الله تعالى عنه ـ فيما نقلناه عنه سابقًا: «راعوني؛ فإن استقمت فأعينوني، وإن زغت فقوموني! » (16) ؛ فالحسبة تعمل وتنشط في كِلا الحالين مما يعني استمرارية عملها في المجتمع في كل أحيانه؛ فعن أبي قلابة: «أن رجلًا من حمص يقال له كريب بن سيف ـ أو سيف بن كريب ـ جاء إلى عثمان، فقال: ما جاء بك؟ أبإذن جئتَ أم عاصٍ؟ قال: بل نصيحة أمير المؤمنين، قال: وما نصيحتك؟ قال: لا تكل المؤمن إلى إيمانه حتى تعطيه من المال ما يصلحه ـ أو قال ما يعيِّشه ـ ولا تكل ذا الأمانة إلى أمانته حتى تطالعه في عملك، ولا ترسل السقيم إلى البريء ليبريه؛ فإن الله يبرئ السقيم، وقد يُسقِم السقيمُ البريء، قال: ما أردت إلا الخير. قال: فردهم، وهم زيد بن صوحان وأصحابه» ؛ فقد جاء المسلم من حمص في سوريا إلى المدينة النبوية يحتسب عند أمير المؤمنين في إسداء النصيحة.
أما المعارضة فإنها قائمة على أساس التربُّص بتصرفات الحكومة ومخالفتها، وهي بمقتضى قيامها تعد نفسها البديل للحكومة؛ فهي لم تقم إلا لمعارضة الحكومة لا لمعاونتها، وأقصى ما يمكن أن تشارك به هو تقديم وجهة نظر فيما يراد عمله أو إقراره من قِبَل الحكومة بهدف إظهار تفردها وتميزها على الحكومة وأحقيتها في أن تحل محلها؛ وهذا يعني أنه عند استقامة الحكومة أو عند وجود خلافات غير جوهرية فإن استمرارية المعارضة وفعاليتها تصل إلى أدنى درجاتها، وحتى تحافظ المعارضة على استمراريتها وفعاليتها وعدم غيابها عن حس المواطن العادي، فإنها إما أن تفتعل الاختلاف مع الحكومة افتعالًا، وإما أن تضخم الخلاف الموجود.
الحسبة ضمان وأمان: قد ترفض السلطة في كثير من بلاد المسلين أي نوع من أنواع المتابعة والمراقبة لسياستها تصورًا منها أن ذلك يقدح في هيبتها أو أحقيتها بالولاية، ومن ثم ترفض الاقتراحات المقدمة والمشاركة في حل المعضلات أو المشكلات، وهذا فضلًا عن مخالفته للأحكام الشرعية فإن فيه محاذير أخرى نذكر منها: حرمان الأمة والمجتمع من كفاءات العديد من خيرة أبنائه الذين ينأَوْن بأنفسهم عن الدخول في هذه المواقف الحرجة، كما يحرم الأمة من مشاركتهم لها وقت الأزمات، وفي المواقف الحرجة التي تحتاج إلى جهدهم وفكرهم، فتقف وحيدة من غير معاونة في وقت هي أحوج ما تكون فيه إليهم. وبينما هناك فريق ينأى بنفسه فإن هناك الفريق المقابل الذي قد يلجأ إلى خيارات يترتب عليها نشوء أفكار مشوهة أو غير صحيحة، ومواقف غير رشيدة لا تجني الأمة من ورائها إلا الشوك، وقد ينقلب الأمر عند فئة ثالثة إلى المداهنة والنفاق وإظهار الرضا والموافقة على كل تصرفات الحكومة. وخطورة هذا المسلك على مجموع الأمة معروف لا ينكر، فلا يُظهر الحق ولا يُخمد الباطل إلا ما وافقت عليه السلطة، وهو ما يعني في النهاية اختزال الأمة كلها في الحكومة، بينما الأصل أن الحكومة إنما وجدت لمصلحة الأمة، كما يترتب على منع الحسبة إضعاف التفاعل بين الدولة والأمة، حتى يتصرف كثير من الناس بنفسية الأجير لا بنفسية صاحب الدار، ويترتب على ذلك تعرض الأمة للغزو الفكري والقبول بأشكال الفكر السياسي الغربي الوافد بأشكاله ومشكلاته. وفي ظل التقدم التقني الهائل في وسائل الاتصالات صارت المعلومات والأخبار بمنزلة الكلأ المباح يَرِدُه كل من احتاج إليه، وأصبح التحكم في ذلك صعبًا للغاية، ولم يعد بوسع الدول أن ترد عادية هذا الأمر إلا بحكم الشعوب بشريعة الله التي تضمن التَّواؤُم بين الجميع والعمل الجاد العام لصالح الجميع.
(1) أخرجه البخاري كتاب الحيل، رقم 6464.
(2) انظر البخاري كتاب المغازي، رقم 3994.
(3) مصنف عبد الرزاق، 11/336.
(4) قال في لسان العرب: تَجْمِيرُ الجيش: جَمْعُهم في الثُّغور وحَبْسُهم عن العود إِلى أَهليهم.
(5) الغِياضُ: جمع غَيْضة وهي الشجر المُلْتَفّ؛ لأَنهم إِذا نزلُوها تفرّقوا فيها فتمكَّن منهم العدوّ.