الصفحة 2688 من 3812

إنهم يلمزون هذه المناشط الربانية مستفيدين من (وجع الوطن) ؛ ليفرغوا ما حملت أدمغتهم من فكر ملوّث، وإذا أحسنا الظن ببعضهم، فيا ليت هذا (البعض) أن يكلفوا أنفسهم فينزلوا من برجهم الوهمي إلى واقع هذه الروضات الرضيّة، ليروا غير ما وهموا، فقد كنت بين الحاضرين في حفل افتتاح مخيم (بوارق الخير) في الأحساء، فشاهدت ـ كغيري ـ كيف برز العنصر الأكبر في هذا الحفل، وهو (الوطن) ؛ حيث رفعت إدارة المخيم شعارًا يهتف من القلوب الهائمة بأرض الحب والنور (أحبك يا وطني) ، وكان العلم السعودي الذي يحمل شهادة الحق وسيف العدالة يخفق على جانبي المسرح، والأفلام الوثائقية عن نهضة هذه البلاد ورعاية قادتها لمشروعاتها العملاقة، والأناشيد الوطنية، والكلمات الصادقة المخلصة.. كلها تحمل معاني هذا الحب الخالد في النفوس لبلاد الله في هذا الوطن الغالي..

الآلاف من المتطوعين يسكبون راحتهم وراحة أسرهم في كف العطاء السخي لأبناء هذا الوطن كل عام، في الوقت الذي يزجي غيرهم إجازته واقتصاد وطنه، وربما مروءته على شواطئ التيه هنا وهناك!! ثم تسكت عنهم هذه الأقلام؟!!

أيها المخذّلون.. كفاكم نكوصًا عن ميادين الخدمة والعمل الخيري الذي ملأه الأخيار ونفعوا به البلاد والعباد.. بينما لا نشاهد فيه أمثالكم.. لأنكم تعوّدتم ألاّ تفعلوا شيئًا دون مقابل.. ودعوا الذين يستمتعون ببذل أوقاتهم وراحتهم وأموالهم من أجل أن يهدي الله بهم رجلًا واحدًا..

سلوا رجال مكافحة المخدرات.. والسجون.. والمرور.. وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكل رجالات الأمن في كل القطاعات عن الآثار الرائعة لهذه المخيمات الهادفة.. ستجدون أنها تستحق أن تُدعم من ميزانيات معظم الوزارات؛ لأنها ـ بالفعل ـ تقدم خدمة حضارية لا تُقدّر بثمن، وأنها توفر مبالغ طائلة باستصلاح هؤلاء الشباب، بدلًا من تركهم كما يطالب (المخذلون) يقتاتون من أفلام الرعب والإرهاب التي تضج بها الشاشات اليوم، أو تركهم فريسة في أيدي عصابات المخدرات والإجرام، أو تركهم خامًا ينقض عليه أهل الفكر المنحرف؛ فيفصلون منه خناجر تطعن خاصرة الوطن.. حماه الله من المجرمين والضالين والمخذّلين.. !

لمحة.. والحر تكفيه الإشارة:

الدراسات تؤكد أن 60% من الأحداث دخلوا السجن خلال الإجازة الصيفية!!

أهمية الواقعية والمعاصرة في موضوعات الخطيب

عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل

من الميسور أن يختزل الخطيب الموضوعات الخطابية بما يمثل الجوانب الإيمانية والوعظية ونحوهما؛ حيث إنها موضوعات مطروحة مبحوثة، بل معدة للخطيب إعدادًا تامًا من خلال بعض الكتب ومواقع الشبكة العنكبوتية، لكنه بهذا النمط لا يعد مبدعًا في الحقيقة، وليس مستحقًا لحيازة لقب النجومية في عالم الخطابة، إنما النجم الذي يصدق عليه هذا اللقب، هو ذلك الخطيب الثَقِف الذي يَفْتِلُ عضلات لسانه، في حلبة الصراع مؤلفًا بين الأصالة وروح المعاصرة والواقعية التي نفقدها في بعض خطباء اليوم. وهذه الروح، وإن كانت مهمة للخطيب في كل حين، إلا أنها في هذا الحين أهم، حيث تفاقمت فيه المستجدات، وكثرت فيه المغريات والمتغيرات التي تحتاج من الخطيب إلى وعي دائم، ومتابعة دائبة، وفهم شمولي صائب لكل مستجدة لها ارتباط بحياة المسلمين وواقعهم ومشاكلهم ـ وما أكثرها اليوم ـ وبهذه الصورة الواعية الواعدة، يمكن أن يعايش الخطيب هموم الناس، ويصنع من منبره سلمًا يرتقي من خلاله الناس لمعالجة أوضاعهم، وتخفيف معاناتهم الممتدة في أودية العناء الشاسعة، وبحور الهموم الواسعة، وبهذا الاقتراب والملامسة لواقع الناس، يكون نتاج الخطيب مثمرًا، وعطاءاته موقظة، وكلماته مؤثرة، وإذا كان الخطيب أقرب لملامسة حاجات الناس، كان أَذْكَر في ألسنتهم، وأنفع لجمهورهم «وكلما كان صادقًا في قصده، مهتمًا بجمهوره وسامعيه، جادًا في طرحه، محترمًا لنفسه، فسوف يحسن الاختيار، ويقدح زناد فكره بجدية نحو الابتكار وحسن الاختيار، يضاف إلى ذلك الظروف المحيطة، والأحوال المستجدة، والأغراض الباعثة التي تستدعي الحديث عن بعض الوقائع، والتعليق على بعض الأحداث، والتفسير لبعض المواقف، وتصحيح بعض المفاهيم» (1) .

وقد كان هذا هو هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - كما بينه ابن القيم - رحمه الله - حيث قال: «كان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم» (2) .

ولهذا أمثلة كثيرة من السنة النبوية، من ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: «جاء رجل يوم الجمعة والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب بهيئة بذة (1) ، فقال له رسول - صلى الله عليه وسلم: أصليتَ؟ قال: لا، قال: صل ركعتين، وحث الناس على الصدقة، فألقوا ثيابًا، فأعطاه منها ثوبين، قال: فلما كانت الجمعة الثانية جاء ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فحث الناس على الصدقة، قال: فألقى أحد ثوبيه، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: جاء هذا يوم الجمعة بهيئة بذة، فأمرت الناس بالصدقة فألقوا ثيابًا فأمرت له منها بثوبين، ثم جاء الآن فأمرت الناس بالصدقة، فألقى أحدهما، فانتهره، وقال: خذ ثوبك» (2) وفي هذا الحديث، يتبدى لنا بجلاء، كيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لامس مشاعر هذا الصحابي، وتفاعل مع حاله وهو يخطب، واستنهض همم الصحابة للقيام بواجب المواساة، وتخفيف المعاناة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت