فهرس الكتاب
ومن خلال هذا الحديث يمكن أن نستوقف خطباءنا الميامين ونستفهمهم: ما الذي ستقدمونه اليوم، ليس لفرد واحد يحضر الجمعة، وإنما لملايين المسلمين الذين يحضرون الجُمع، بصدور مليئة بالهموم، وقلوب قد نفث في روعها طول العناء، ماذا أعددتم لجيل اليوم والغد، الذين لم تكن معاناتهم من الفقر والقلة، ولا من الضعف والعيلة، فحسب، بل من شيء اكبر من ذلك، هو مسخ الهوية، وغزو العقول، وحرب الأفكار، ونقض الثوابت، وتبديل الأصول والمفاهيم؟ لكننا ـ وبحمد الله رغم هذا ـ عندما نجول بالنظر إلى واقعنا المعاصر، نفرح بطلائع الأمة من شيوخها ودعاتها وخطبائها، الذين يرتسمون الهدي النبوي، في معالجة النوازل، ومجاوزة الخطوب، والذين لهم فيه وفي صحابته ـ الذين تحملوا الحمالات من أجل هموم المسلمين، وجمع كلمتهم، واستصلاح واقعهم ـ أسوة حسنة.
فهذا فاروق الأمة - رضي الله عنه - لما أحس بالرحيل وقرب الأجل، وتخوف أن يختلف الناس من بعده، في أمر الخلافة، وفي شأن الكلالة، آثر أن يجعلهما حديث خطبة من أواخر خطبه، لمناسبتهما للحال، ولكثرة الاختلاف فيهما، فقال - رضي الله عنه - في مستهل خطبته: «إني رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن أقوامًا يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيه - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن عجل بي أمرٌ فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة الذين توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو عنهم راضٍ، وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر، أنا ضربتهم بيدي هذه على الإسلام؛ فإن فعلوا ذلك فأولئك أعداء الله الكفرة الضلال. ثم إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة، ما راجعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيء ما راجعته في الكلالة، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيه، حتى طعن بأصبعه في صدري، فقال: يا عمر! ألا تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء، وإني إن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن...، ثم ثلَّث - رضي الله عنه - بعد ذلك بالتنبيه على مخالفة ذاعت في أيامه تلك، وتوارد بعض الناس عليها، فبين أن واقع هذه القضية مخالف لهدي الرسول - صلى الله عليه وسلم - حيث يقول: «إنكم أيها الناس! تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين، هذا البصل والثوم» لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع، فمن أكلهم فليمتهما طبخًا» (3) وهذه الموضوعات الثلاث التي اختارها - رضي الله عنه - لخطبته دليل جلي على اهمية مراعاة مقتضى الحال في خطب الجمعة، وأنها ليست على رتابة دائمة.
وما أجمل تلك الكلمات التي سطرها يراع الشيخ (محمد أبو زهرة) - رحمه الله -، في بيان هذا الجانب المهم لدى الخطيب ـ وهو مراعاة مقتضى الحال ـ حيث قال: «مراعاة مقتضى الحال لب الخطابة وروحها؛ فلكل مقام مقال، ولكل جماعة من الناس لسان تخاطب به؛ فالجماعة الثائرة الهائجة تخاطب بعبارات هادئة، لتكون بردًا وسلامًا على القلوب، والجماعة الخَنِسة الفاترة، تخاطب بعبارات مثيرة للحمية، موقظة للهمم، حافزة للعزائم، والجماعة التي شطت وركبت رأسها، تخاطب بعبارات فيها قوة العزم ونور الحق، فيها إرعادة المنذر، ويقظة المنقذ.. وفيها روح الرحمة، وحسن الإيثار، ليجتمع مع الترهيب الترغيب، ومع سيف النقمة ريحان الرحمة؛ لذلك وجب أن يكون الخطيب قادرًا على إدراك الجماعة وما تقتضيه، والإتيان بالأسلوب الذي يلائمه » (4) .
وقال الشيخ محمد رشيد رضا واصفًا مراعاة الخطيب لمقتضى الحال، وواقع الزمان:
«بينّا لك أن خير الخطب ما كان مصدره نَفَس الخطيب وشعوره وإحساسه، لا نفَسَ غيره ممن مضت بهم القرون، وكانوا في عالمٍ غير عالمنا، ولهم أحوال تخالف حالنا؛ فمن أراد العظة البالغة، والقولة النافذة، فليَرْمِ ببصره إلى المنكرات الشائعة، والحوادث الحاضرة، خصوصًا ما كان منها قريب العهد، لا تزال ذكراه قائمة في صدور الناس، وحديثه دائرًا على ألسنتهم، أو ذائعًا في صحفهم، أو تراه مشاهدًا بينهم، ثم يتخير من هذه الحوادث ما يجعله محور خطابته ومدار عظته، ثم ينظر ما ورد من الآيات والأحاديث الصحيحة في الموضوع الذي تخيره، ويجيد فهمها، ويفكر في الأضرار المالية والصحية والخلقية والاجتماعية التي قد تنشأ عن هذه الجريمة التي جعلها موضع عظته، ويحصي هذه الأضرار في نفسه أو بقلمه، هذا إذا أراد التنفير من رذيلة، أو الإقلاع عن جريمة ذاع بين الناس أمرها، أو طفح عليهم شرها، فإن أراد الترغيب في فضيلة، أو الحث على عمل خيري، أو مشروع حيوي، فليفكر في مزاياه تفكيرًا واسعًا مراعيًا الصالح العام دون المآرب الخاصة» (1) .
وفي سؤال موجه للجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية برئاسة سماحة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز - رحمه الله - جاء فيه: «هل يصح أن يتدخل الخطيب أثناء الخطبة في مواضيع تواجه الحياة؟ وتَدَخُّلُ بعض الشيوخ في السياسة؟
أجابت اللجنة بما نصه: «للخطيب أن يبين في خطبة الجمعة وفي دروسه ومحاضراته ما تحتاجه الأمة من المعارف النافعة، وأن يعالج أمر الشعب، ويحل مشاكلهم قدر استطاعته، بالحكمة والموعظة الحسنة، سواء سمي ذلك سياسة أو خطبة جمعة، أو تعليمًا أو إرشادًا، وما كان يترتب عليه من كلامه فتنة أو مفسدة راجحه على ما يقصد من المصلحة أو مساوية لها، ترك الحديث فيه إيثارًا للمصلحة الراجحة، أو حذرًا من وقوع ما لا تحمد عقباه. وبالله التوفيق» (2) .