الصفحة 2690 من 3812

ولعلي ألفت النظر، هنا، إلى أن دعوة الخطيب إلى المعاصرة والواقعية في موضوعاته، ليس معناه أن يُشِيح بوجهه عن الموضوعات الأخرى، كموضوعات الرقائق والمواعظ ونحوها، إنما هي دعوة إلى المزايلة بين هذه وتلك، ودعوة أيضًا إلى الممازجة بينها وتوظيف بعضها لخدمة بعض، وربما اللوم هنا، هو لمن ليس له إلا لون واحد من الموضوعات، ولمن أعرض صفحًا عن واقع الناس، ولم ينزل بساحتهم، ولم يمتطِ صهوات رواحلهم، ولم ينبض قلبه بهمومهم، وكان بعيد التصور لأحوالهم وحياتهم.

ولعل من الأمثلة القريبة التي هي في صميم موضوعنا، الخلل العقدي الذي تكشَّف في الأمة عندما مات بابا الفاتيكان، وما لحق ذلك من التشكيك في كفره، أو الثناء أو الترحم عليه، رغم أن حكم هذا الرجل ومن شابهه من رؤوس الكفر، ودعاة التثليث والتنصير، بيّن بيان الشمس في وضح النهار، ومثال ثانٍ قريب: وهو الفساد الأخلاقي المدمر الذي نتج من البرنامج الفضائحي (ستار أكاديمي) الذي يعرض الخنا والفحش، ويدعو إليه، وطبّل له الملايين من شبابنا، وغيرهما من الأمثلة الكثيرة في عالم اليوم؛ فهل يسوغ للخطيب المؤتمن على رسالة المنبر، أن يتجاهل هذه الحوادث، التي تمزق كيان العقيدةِ والأخلاقِ والعفاف؟ لا أظن ذلك يسع الخطيب الذي ائتمنه الله، والمسلمون على أغلى رسالة، وأنبل وظيفة في الحياة.

ولعلي في خاتمة المطاف، اقترح على الخطيب، ليتحقق في موضوعاته، المعاصرة والواقعية، وليبلِّغ رسالته، ويصل إلى هدفه المنشود ما يلي:

1 -الاحتساب في معايشة الناس، ومعرفة واقعهم، إذ إن من عوامل نجاح الداعية والخطيب الذي ينشد إصلاح الناس، أن يكون عالمًا بأحوالهم، مدركًا لمشكلاتهم. ومن الأمور المتقررة عند أهل المعرفة أنه لا يستطيع العمل على تغيير واقع الناس وانتشالهم من الضلال إلى الهدى، ومن البدعة إلى السنَّة، بصورة صحيحة مؤثرة، إلا من عاشرهم، وداخلهم، وعرف أحوالهم؛ ولذا على الداعية وطالب العلم أن يستشعر الخيرية، التي جاءت في قول النبي - صلى الله عليه وسلم: «المسلم الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (3) ، ومذهب جماهير السلف تفضيل الاختلاط بالناس، في الأحوال الطبيعية التي لا يلحق المسلم فيها ضرر في دينه، على اعتزالهم والبعاد عنهم، ولهذا قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه: «خالطوا الناس وزايلوهم، وصافحوهم، ودينكم لا تَكْلِمُونه» (4) (5) .

وقال عمر - رضي الله عنه: «خالطوا الناس بما يحبون، وزايلوهم بأعمالكم، وجِدُّوا مع العامة» (1) .

وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: «خالطوا الناس بألسنتكم وأجسادكم، وزايلوهم بقلوبكم وأعمالكم؛ فإن لامرئ ما اكتسب، وهو يوم القيامة مع من أحب» (2) ، وفي هذه الآثار المذكورات عن عمر وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم - بيان للمنهج الشرعي في هذه القضية، وهو مخالطة الناس ومخالفتهم، مع مزايلتهم ومخالفتهم، وليس بين الأمرين تعارض؛ إذ الأمر كما توضحه هذه الآثار والآثار الأخرى، يراد به مخالطتهم بالأجسام، ومزايلتهم بالأعمال، مع المحافظة التامة على الدين، أن يصاب بضرر بسبب هذه المخالطة. ولأهل العلم تفصيلات مطولة في هذا الباب، ولعل من أجمعها ما نقله ابن حجر - رحمه الله - عن بعض أهل العلم وهو أن ذلك «يختلف باختلاف الأشخاص؛ فمنهم من يتحتم عليه أحد الأمرين، ومنهم من يترجح وليس الكلام فيه، بل إذا تساويا اختلف باختلاف الأحوال، فإن تعارضا اختلف باختلاف الأوقات؛ فمن يتحتم عليه المخالطة من كانت له قدرة على إزالة المنكر، فيجب عليه إما عينًا، وإما كفاية، بحسب الحال والإمكان، وممن يترجح من يغلب على ظنه أنه يسلم في نفسه إذا قام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وممن يستوي من يأمن على نفسه، ولكنه يتحقق أنه لا يطاع» (3) .

ويحسن التنبيه هنا إلى أن أهل العلم لا يقصدون بذلك أن يختلط العالم والداعية بالناس اختلاطًا طاغيًا على شؤونه وأموره الأخرى، بل هم مجتمعون على أن القدر الذي يطالب به من الخلطة، لا بد أن يكون معتدلًا في الجملة، ثم هو يتفاوت بعد ذلك بحسب المصلحة.

2 -الاستنارة بما لدى الغير ـ ولا سيما أهل الاختصاص منهم، كلٌ في اختصاصه ـ في معرفة الموضوعات الحية التي تمس الحاجة لبيانها.

وبالتجربةِ تبيّنَ أن الخطيب قد يستفيد في إثراء بعض الموضوعات، من المختصين، أكثر مما يستفيده من البحث والاطلاع، ويظهر هذا بجلاء فيما يخص الموضوعات الأسرية، والمشاكل الزوجية والاجتماعية، التي قد لا يخدم الخطيب في علاجها، ومعرفة أدوائها، وتلمس دوائها أكثر ممن له سبح طويل في أعماقها.

3 -الاستفادة من الخطباء المبدعين في هذا الباب، ومن النَصَف الذي ينبغي أن يذكر فيشكر لثلة من خطباء اليوم، أنهم نزلوا بساحات الناس وعايشوهم في أفراحهم وأتراحهم، وعرفوا كثيرًا من مشكلاتهم وشكاواهم، فاستطاعوا بهذا السبق أن يحوزوا على لقب النجومية في الخطابة، لما حملوه على عواتقهم من همِّ استصلاح أوضاع الأمة، ومعالجة قضاياها، وأسباب اليقظة من كبوتها، ومعرفة مشاكل المجتمع وأسبابها وأبعادها ووسائل الخروج من مضايقها.

وهؤلاء كما يطالَبون بنشر إبداعهم، وبث نتاجهم المتميز، فغيرهم أيضًا يطالَب بسلوك هذا المسلك الرائد، والاستفادة ممن سبقهم، والاستنارة بآرائهم، والأخذ من تجاربهم.

اقرن برأيك رأي غيرك واستشر *** فالحق لا يخفى على الاثنين

المرء مرآة تريه وجهه ويرى قفاه بجمع مرآتين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت