فهرس الكتاب
كنت أرغب في دخول كلية دار العلوم في مصر، لكن كان من الصعب الوصول إليها؛ حيث إنها بعيدة عن مكان سكني، فدرست في كلية التجارة في إحدى الجامعات، إلا أن بغضي للربا جعلني أترك الدراسة، ثم بعد أن تزوجت ذهبت مع زوجي إلى اليمن، فدرست اللغة العربية، لأنه لم يتيسر لي أيضا الدراسة في كلية شرعية، وذلك لأن إقبال الطلبة اليمنيين الكبير على هذه الكليات لم يترك متسعًا لغيرهم لدخولها، فكانت الدراسة الشرعية من خلال الحياة، فتلقيت الفقه عن عدد من المشايخ، وقد كنت أستغل فترات غياب زوجي عن المنزل لأيام كثيرة قد تصل إلى عشرين يوما بحكم عمله في الاطلاع، فكنت أحدّد لكل فترة من هذه الفترات ما أريد أن أتعلمه فيها، فمرة أبدأ بحفظ أجزاء من القرآن الكريم، ومرة أدرس السيرة، ومرة أدرس الفقه، ومرة أبدأ بالمراجعة لذلك كله، وقد أتاح لي ذلك دراسة السيرة مثلًا من أكثر من كتاب مثل السيرة النبوية، والمنهج الحركي للسيرة، والرحيق المختوم، وقد كانت أصعب محطات حياتي اختيار الزوج، إلا أن الله هوّن ذلك الاختيار عليّ، وقد أكرمني الله - سبحانه وتعالى -- بالزوج الذي يعينني على طاعة الله، وقد تحقّق لي ما كنت أتمنى، وهو أن يمنّ الله عليّ ببيت يُؤسّس على طاعة الله ورضوانه، فزوجي دائمًا ما يذكّرني وكريماتي بطاعة الله، والإخلاص في كل عمل نؤديه لله، وتجديد النية باستمرار.
نرجو أن تحدّثينا عن طبيعة حياتك وأسرتك؟
في البداية تمّ عقد قراني في المسجد، وكان الاتفاق بيني وبين زوجي من البداية على أساسيات العلاقة بيننا، واتفقنا أن يكون مرجعنا عند الاختلاف كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فإن لم نجد نرجح الأفضل، وقد رزقنا الله بأربع بنات، فكنا حريصين على تربيتهن تربية إسلامية، لقد كان حديثنا لهن دائمًا"هذا يرضي الله ورسوله وهذا يغضبهما"، بهذه الكلمات أنشأناهن النشأة الإسلامية التي تقوم على العقيدة الصحيحة، وبفضل الله ثلاثة منهن أتممن حفظ كتاب الله كاملًا، أما عن دراستهن فقد درست أكبرهن في قسم الصحافة والإعلام، والأخرى درست الشريعة، ومازالت ابنتي الثالثة تدرس في الجامعة في قسم الأشعة، أما عن الرابعة والتي تحفظ ثمانية أجزاء فمازالت في المرحلة الثانوية.
متى وكيف بدأت رحلتك مع الدعوة إلى الله؟
كان ذلك من الصغر، فقد كنت عندما أسمع القصة أنقلها إلى من هو أصغر مني أثناء اللعب، وقد أعطي الدروس والندوات وأنا في الخامسة عشرة من عمري.
هل كان للأسرة والدراسة دور في صقل شخصيتك الدعويّة؟
طبعا، لقد كان للوازع الديني الموجود عند والدي ووالدتي الأثر البالغ في تكوين شخصيتي، ومع أن الإخوة على نفس القدر من العلم، إلا أن حب الدين غُرِس في قلوبنا، وحتى إن نسيَ الإنسان أو ابتعد قليلًا عن الطريق الصحيح فسرعان ما يعود إليه.
هل تأثرت بعالم أو داعية معين؟ ومن هو؟
في فترة الستينيات كان الالتزام قليلًا بالدين، لذلك كان الإنسان يسعى إلى الاستزادة من العلم لينشر دعوة الله بأفضل السبل وأيسرها، وقد مَنّ الله علينا في تلك الفترة بدعاة كبار تربّينا على أيديهم وتعلمنا منهم الكثير، ومن ضمن من تأثّرت بهم في حياتي شاب ذو خلق رفيع، فقبل عام 1975م أصبت بمرض الزائدة الدودية، وكان لابد من إجراء عملية جراحية لي، وكان معي أخواتي في الله، وقد شعرت حينها بالخجل الشديد لأني شعرت بأني أثقلت على الشاب الذي أجرى لي العملية، وخاصة أنه كان ينوي الذهاب لأهله وخطيبته لقضاء الإجازة معهم، فأحسست أنه لاحظ شعوري هذا، فقال لي كلمة أثرت فيّ ولا يزال تأثيرها في نفسي إلى الآن، لقد حدثني عن البخل، ثم وصفني بالبخل، وقال: إنه يستغرب هذا مني، فسألته عن الذي يقصده بقوله، فقال لي: بخل الثواب، ثم قال لي:"لماذا تريدين أن تحرميني هذا الأجر؟"، ثم قال لي:"إن أردت أن تقدمي خدمة لإنسان فافعلي ذلك لوجه الله"، وقد وعدته أن أفعل الخير ما حييت، ومن يومها إلى الآن لا أعمل عملًا إلا وأذكر هذا الشخص بالدعاء، كما أن موقفًا للشيخ عمر التلمساني أثّر فيّ كثيرًا، حيث كنا نحضر له ندوة، فأراد أن ينهي هذه الندوة، فطلبنا منه أن يبقى معنا؛ لأن حديثه يصل إلى القلوب، فأخبرنا بأنه يريد أن يذهب إلى منزله؛ لأن زوجته التي صبرت عليه وأعانته على الدعوة مريضة، ولا يوجد عندها أحد، وأنه يريد أن يكون العلاج الذي تتناوله قبل نومها من يده، فتعلمت منه أن الداعية مهما كان مشغولًا في دعوته فلا يمكن أن يفرط في بيته وأسرته؛ لأن أسرته هي التي تعينه على الخير، كما أنني تأثّرت بالشيخ مصطفى مشهور والذي أخبرنا أنه أثناء فترة اعتقاله، وعندما كانت زوجته تحضر لزيارته كان يحدّد معها الكيفية التي ستتبعها في تربية أبنائهما إلى أن يأتي موعد الزيارة القادمة، وهكذا في كل زيارة، وهذا يؤكد أن الداعية إن لم يعتن ببيته من الداخل فإنه لن ينجح في الخارج، وقد توفي هؤلاء الدعاة ومازالت أسرهم مستمرة في البذل والعطاء، إنني أتمنى أن نقتدي بهؤلاء الذين طبقوا قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".
نعلم أن كريماتك هن من الحافظات والمعلمات للقرآن الكريم. كيف غرستِ ذلك الحب لكتاب الله في نفوسهن؟