فهرس الكتاب
الرحلة تبدأ من قبل الزواج، حيث يتم اختيار الزوج بما يرضي الله، ثم تأتي بعد ذلك فترة الحمل، والتي كنت فيها أتذكر قول أم مريم: (إذ قالت امرأة عمران ربِّ إني نذرت لك ما في بطني محررًا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم) [آل عمران: 35] ، فكنت في كل حمل أنذر مولودي لله، وأكون في ذكر وطاعة، ثم بعد ذلك يأتي دور التربية بعد الولادة، فقد كنت أخصص لكل طفلة أرزق بها سورة معينة أردّدها لها دائما، فابنتي الثانية لا تنام إلا على سورة الرحمن، حتى إن ابنتي الكبيرة دعاء كانت تقرأ لدميتها سورة الرحمن، حتى حفظتها وعمرها عامان ونصف العام، وعندما يكبرون كنت أسمعهم القرآن والأناشيد الإسلامية من خلال الأشرطة، وهم يردّدون ما يسمعون، كما أني كنت أحفظهم القرآن على حسب المناسبات، ففي رمضان كنت أحفظهم آيات الصيام، وفي الحج كنت أحفظهم الآيات التي تتحدث عن الحج، وهكذا، ثم أكملت كل واحدة منهن باقي السور والأجزاء إلى أن أتموا حفظ القرآن الكريم كاملًا، وضمن تربيتي لهن لم أكن أقيم لهن حفلات بمناسبات معينة، فكنا نستبدلها بحفلات إسلامية أقيمها لهن ولغيرهن من الأطفال بالتعاون مع أخواتي في الله، فكان يُتلى فيها القرآن وتُقدّم فيها الأناشيد، وكنا نحضر للأولاد لباس الصلاة (وهو الثوب) ونحضر للبنات الحجاب، ونقدم لهم الهدايا، وفي العام القادم ننظر من ثبت على طاعة الله منهم ومن تأخر، وبعد أن يكبروا قليلًا يأتي دور الصحبة، حتى إنها لو لم تتوفر داخل العائلة نحاول إيجادها لهن من خلال الأُخوة في الله، لقد يسّر الله لهن من يشجعهنّ على الحفظ إلى أن أتموه، ثم بعد ذلك جاءت مرحلة تثبيت الحفظ، والتي تُعدّ أصعب من مرحلة الحفظ.
المسنون وبيت الله
منى السباعي
عندما يذكر المسجد يتبادر إلى الذهن الراحة النفسية والطمأنينة القلبية، فالمسجد منذ عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما زال مكانًا لتجمع المسلمين صبيانهم وشيوخهم، نسائهم، واليوم تشهد مساجدنا روعة تجمع الأحباء الكبار فيها، ينهلون من علوم القرآن، يحفظون، ويرتلون، ويبدأون من جديد حياة مسجدية جميلة، تقتل فراغ الشيخوخة، وتصنع لهم عالمًا رائعًا من الحب في الله والصحبة فيه.
فبين كبارنا الأعزاء والمسجد علاقة تواصل متميزة يتناولها هذا التحقيق.
المسجد والراحة النفسية:
يقول الحاج محمد عوض الله حماد إسماعيل"77 عامًا على المعاش: قبل إحالتي على المعاش لم أكن أتمكن من أن أصلى الخمس صلوات في المسجد، بينما بعد خروجي على المعاش صرت مواظبًا على الصلاة في المسجد، كما نقوم بتوعية الشباب المسلم بأمور دينه، وفى أحيان كثيرة أجد شبابًا على وعى كبير، فلا أخجل من أن أسألهم عما لا أعرف من أمور ديني."
الحاج محمد حسين - 67 سنة: أحضر إلى المسجد منذ كان عمري 40 سنة، والحمد لله أؤدي الصلاة فيه دائمًا، وأعلم أولادي أن يترددوا على المسجد، ويلتزموا بالصلاة في المسجد لما في ذلك من صلاح الدنيا والآخرة.
الحاج أحمد على - 70 سنة: بعد المعاش بدأت أحضر إلى المسجد وأتعلم من أمور الدين الكثير، ونجتمع في كل يوم في جلسة قرآنية جماعية نتعلم فيها أصول القراءة الصحيحة، كما قال الله - تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} .
الحاج رجب عبد اللطيف - على المعاش: مواظبتي على الصلاة في المسجد، وحضور مجالس حفظ القرآن الكريم بعد خروجي على المعاش تشعرني بالراحة النفسية، وتزيل عن روحي كل متاعب وهموم الدنيا.
استفادة روحية:
الحاج عادل محمد يماني - على المعاش: لست مواظبًا على المسجد حتى بعد خروجي على المعاش، وأكتفي بالمواظبة على صلاة الجمعة ورمضان في المسجد، أما بالنسبة لدروس العلم فلديّ كتبي، فاستفادتي من المسجد استفادة روحية فقط؛ لأن أئمة المساجد لا يخاطبون احتياجاتي، وإنما يخاطبون الشباب أكثر مما يخاطبوننا.
استثمار مربح:
-الحاج عبد الستار محمد حسن - على المعاش: بعد خروجي على المعاش أصبح نشاطي في عمل الخير مع بعض الأصدقاء من خلال لجنة الزكاة بالمسجد، فنحن نستثمر أوقاتنا في استثمار مربح بدلًا من تضييعها في الجلوس على المقاهي.
-الحاج الشحات عوض إبراهيم - على المعاش: أنا لا أعرف القراءة ولا الكتابة، ومن خلال المسجد تعرفت على الصحبة الطيبة، وأصبحنا نتعلم دروس الفقه، وعلوم الدين، ونتعاون على فعل الخيرات.
الملائكة تحفنا:
أما النساء المسنات، فالمسجد بالنسبة لهن بيت تفريج الهمّ، كما تؤكد السيدة كاميليا محمد - 58 عامًا التي تقول: أصبح الوقت بين المغرب والعشاء أيام السبت والإثنين والخميس وقت عيد بالنسبة لي، ولجميع جاراتي وحبيباتي اللاتي تعرفت عليهن في المسجد، وتعلمنا على أرضه الطاهرة كيف نحب بعضنا البعض في الله، وكيف نكون صدورًا واسعة وحنونة فتصَّبر بعضنا على همومهن ونتواصى بالتحمل، وندعو بظهر الغيب لأحبائنا وأبنائنا، والتي تحفظ منا دعاءً تعلمه للأخريات وكل من سمعت شيئًا أعجبها تقوله لنا جميعًا.
إنها جلسة ربانية جميلة ننسى فيها همومنا، ونقتل الفراغ، ونتحمل جفاء الأبناء، وتجاهل الأحباء، ونتبادل النصح والخبرات، ونخرج منها ونفوسنا صافية مغسولة، فقد كانت الملائكة تحفنا وتستغفر لنا كما قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهل يستحق أي شيء في الدنيا أن نضحي من أجله بهذه الفرصة الرائعة؟