الصفحة 2990 من 3812

وتتذكر السيدة عايدة سيدة 66 عامًا أيامها مع المسجد قبل أن تزداد عليها آلام الركبة والساق، وتضطرها إلى المكوث في البيت، وعدم صعود السلم أو هبوطه، فتقول إنها كانت أجمل أيامها التي بارك الله فيها فاتسعت لأن تحفظ أثناءها أجزاء كثيرة من القرآن، وتتقن أحكام التجويد التي كانت تقرأ بها سماعيًا، ولكنها لا تعرفها حكمًا حكمًا، وتضيف السيدة عايدة: لقد شملتنا جميعًا بركات المسجد والصحبة الطيبة، فكم كانت أكثر من واحدة منا تعانى من مشاكل، وتسألنا أن ندعو لها بظهر الغيب، ونفعل فتأتى بعد وقت قصير منشرحة الصدر لتقول لنا إن الله فرج كربها، وبعد أن حالت ظروفي الصحية دون الانتظام في ارتياد المسجد مازلت محافظة على صلتي بأخواتي عبر الهاتف، ومازلت أحفظ في بيتي ما يحفظنه في المسجد، ولله الحمد.

دور المسجد:

وحول ما يجب أن يكون عليه إمام المسجد أو الداعية الذي يتعامل مع المسنين يتفق الشيخ طارق عبد التواب المفتش بوزارة الأوقاف، والشيخ محمد عبد العزيز الشريف إمام مسجد على أن على الإمام أن يحسن التعامل مع المأموم، خاصة مع هذه الفئة العمرية، وألا يستخف بهم، وإنما يعاملهم باللين والرأفة، وأن يصبر عليهم باعتبارهم طلبة علم مع المحافظة على هيبة الإمام في نفوس المأمومين، فقد قال - صلى الله عليه وسلم:"ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه".

ويرى فضيلة الشيخ محمود أبو سريع - مدير إدارة شئون القرآن بمديرية أوقاف الجيزة: أنه عند مجالسة كبار السن يجب أن يتحلى الداعية والإمام بسعة الصدر، إذا بدر من أحدهم ما يضايقه، كما يجب عليه ترتيب وإعداد ما يلقيه عليهم حسب أهميته لهم، وعلى قدر ما يفهمونه، فقد روى البخاري عن الإمام على - رضي الله عنه - أنه قال:"حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟".

تربية روحية وسلوكية:

وحول أهمية المسجد في حياة كبار السن، وكيف يمكنهم استغلال هذه الفرصة يقول فضيلة الأستاذ الدكتور محمد المختار محمد المهدي إمام أهل السنة والرئيس العام للجمعيات الشرعية، والأستاذ بجامعة الأزهر الشريف: إذا كان هؤلاء المسنون قد انتهوا من أعمالهم الوظيفية، فلديهم مجالات ضخمة لخدمة المجتمع ونفعه مثل: الجمعيات الخيرية، ومجالات كفالة اليتيم، ورعاية الفئات غير القادرة، ومحو الأمية، وعلى الخطيب أن يحثهم على تحرى حسن الخاتمة.

وينبغي على الداعية أن يبين لهم أهمية ما عليهم، ولا حجة لهم أمام الله في أن يتركوا العمل لدينهم ولأولادهم ولجيرانهم ولأمتهم كلها بدعوى أنهم أحيلوا إلى التقاعد؛ إذ عليهم أن يستغلوا هذه الفرصة في اكتساب الثواب ونقل الخبرات إلى شباب الأمة.

ونحن نضم صوتنا إلى صوت شيخنا د. محمد مختار المهدي، وندعو آباءنا وأمهاتنا إلى بيوت الله حيث راحة القلب، وصفاء النفس، وقتل الفراغ، والأهم تثقيل موازين الحسنات.

الكنز المفقود

أكثر من سبعين عامًا عاشها المسلمون في روسيا وآسيا الوسطى تحت أسوار القفص الحديدي الشيوعي..أكثر من سبعين عامًا من القهر والاستبداد والتسلط..أكثر من سبعين عامًا صبَّ فيها الشيوعيون كل ألوان الطغيان والقتل.. أكثر من سبعين عامًا مُحي فيها التاريخ بالقوة، ومُسخت الهوية، وأصبح مجرَّد الانتساب إلى الإسلام جريمة عظيمة ليس لها عقوبة إلا الإعدام.

وفجأة يتحطم ذلك القفص، وتتمزق أجزاء تلك الإمبراطورية الحمراء، وتنطلق كل الأعراق والأجناس في البحث عن هويتهم المنتزعة، وتاريخهم المفقود، حتى الروس أنفسهم عادوا إلى الاعتزاز بالقيصرية الروسية، وراحوا يُشيِّدون الكنائس الأرثوذكسية، ويُظهرون معالم الصليب.

وانطلق المسلمون من حيث الجملة مع من انطلق في تلك العودة، وعادت المآذن بحمد الله تعلو من جديد، وسمع الناس أصوات التكبير تعطِّر الأجواء.

عاد الناس بعاطفتهم المتشوقة إلى الإسلام، يحدوهم الحنين والتطلع إلى ماضٍ عريق عاشته أمة الإسلام في ديارهم.

ذهب أحد الدعاة إلى ريف من أرياف المسلمين هناك، وأعطى نسخة من القرآن الكريم لعجوز مسلمة ربما جاوزت الستين عامًا، ففتحت عينيها مستغربة، تملؤها الدهشة، ثم جالت في نفسها ألوان من الأفكار والمشاعر، وفجأة أجهشت بالبكاء، وأخذت تقبِّل المصحف وتقلِّبه على وجهها، ثم راحت تجري تنادي أبناءها، وتتحدث معهم بلهفة، وكأنها تعرِّفهم بكنز مفقود طالما انتظروا الحصول عليه، ثم التفتت إلى الداعية وقالت له: لقد كان أبي يحدثنا أن جدَّه كان يملك نسخة من القرآن الكريم يتلو فيها على أبنائه!!

وبعد أحاديث عابرة أراد صاحبنا أن ينصرف مع رفاقه، فأبت عليهم، وألحَّت عليهم إلحاحًا شديدًا إلا دخلوا بيتها، فقبلوا دعوتها تطييبًا لخاطرها، ثم قالت على استحياء: هل يتيسّر لكم أن تعلِّموا أبنائي سورة الفاتحة، أما أنا فقد ذهب عمري؟! ولما أرادوا الانصراف قالت لهم: ليس عندي ما أجازيكم به، ولكن أرجو أن تقبلوا هذا وأخرجت عملة روسية (الروبل) عرفانًا بجميلكم ووفاءً بحقكم!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت