فهرس الكتاب
3-إن المساجد في حقيقتها تمثل مراكز هداية وإشعاع ولذلك يشترط في بنائها الأساس الأعظم المشروط في كل العبادات الأخرى ألا و هو التقوى، فلا يمكن أن تقوم بدوها الإيماني إذا لم تكن قائمة على الإيمان بالله - تعالى -و توحيده والإخلاص في عبوديته.
4-إن لبناء وعمارة المساجد فضل عظيم وأجر جزيل وقد أثنى الله - سبحانه وتعالى - بنفسه ومدح الفئة المحبة لله الصادقة في إيمانها التي تسعى إقامة شعائر الله وجمع شمل الأمة المؤمنة في بيوت الله فقال - تعالى: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر ِوَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ {18} [سورة التوبة] .
والعمارة عمارتان:
أ- عمارة بناء وصيانة وتنظيف وتطهير وتنوير وتطييب، الساعون في ذلك مبشرون بالهداية والمغفرة وبقصور ودور وبيوت في الجنة.
ب- عمارتها بالصلاة والدروس وحلق القرآن وذكر الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمشي إلى المساجد يرفع الدرجات ويحط الخطايا وانتظار الصلاة فيها رباط، والمكث فيها اعتكاف، الحاضرون فيها مألوفون، والغائبون عنها مفقودون محرمون، ألا وإن لكل بيت زينة، وزينة المساجد المصلون؛ هم ضيوف الرحمن مشهود لهم بالإيمان، وحق على المزور أن يكرم من زاره فيها، من أدمن الاختلاف إلى المسجد أصاب أخًا مستفادًا في الله، وعلمًا مستظرفا، وكلمة تدعوه إلى الهدى، وكلمة تصرفه عن الردى، ويترك الذنوب حياء وخشية أو نعمة أو رحمة منتظرة"."
المساجد حصن حصين من الشيطان، المشاؤون إليها في ظلم الليالي مبشرون بمنابر من نور تام يوم القيامة، يفزع الناس ولا يفزعون"."
المساجد منازل السكينة ومجمع الملائكة، المساجد بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الأرض، فيها تهبط الرحمات، وتتنزل البركات، وتتلى الآيات، وتشرق عليها أنوار رب الأرض والسموات.
إن المساجد في الأمة الإسلامية تمثل المدرسة الأولى التي يتلقى فيها المسلم منذ نعومة أظفاره مبادئ العقيدة والتوحيد والعبادة والعلاقات العامة والتوعية والتربية والتوجيه والنهوض بالفرد وتأسيس الأسرة وتكوين المجتمع المتلاحم في الأمة المؤمنة الواحدة، فكانت بحق أقدس وأطهر وأحب البقاع إلى الله - تعالى - وإلى قلوب المؤمنين، نسأل الله - سبحانه - أن يوفقنا جميعًا لتعظيم شعائر الله والقيام بمهام هذا الإسلام العظيم وأداء رسالة المساجد تأسيسًا وبناءً وعمارة والحمد لله رب العالمين.
بتاريخ: 3/12/1425هـ
مملكة الروح
أ. د. عبد الكريم بكار
أرواحنا وليست عقولنا هي مكمن وجودنا، وهي البعد الأرحب والأعمق في شخصياتنا. في أرواحنا تجتمع الروعة مع الغموض، ومنهما معًا تتولد الحيرة، والعالم حائر في أمر الروح اليوم، وحائر في التعامل معها. وقد مسّ أمة الإسلام في أيامنا هذه شيء من هذا وذاك. ليست مهمة الإيمان مقصورة على رسم الفضاء النظري لمعتقداتنا ورؤانا، وإنما أيضًا منحنا التميز في عالم فقد الإيمان ودخل عالم الشك والضياع. إن الإيمان بالله تعالى- يمنحنا ميزة فورية هي صعوبة سجننا داخل معطيات مادية محدودة. إنه يخرجنا فورًا من العالم المحدود والمحسوس إلى عالم من غير حدود.
وذلك العالم عالم الروح وعالم الغيب. في العالم المادي يشعر الإنسان دائمًا بالانكماش والضعف، ويجد نفسه محاصرًا بالضرورات ومهددًا بنفاد الطاقة. لكن في عالم الروح الأمر مختلف، كل شيء يتمدد، ويتسع، ويكبر؛ فيشعر المؤمن بمدد لم يحسب حسابه يغمر كيانه كله بالنور والحبور.
هدفنا الأعظم نحن المسلمين أن نفوز برضوان الله تعالى-، وهذا الفوز يشكل مرجعية وأولوية بالنسبة إلينا، بمعنى أن الذي يدخل البهجة على نفوسنا، ويغمر أرواحنا بالسرور النقي يجب أن يظل دائمًا في إطار محبوبات الله تبارك وتعالى-، كما أن كل أشكال الارتقاء المادي وكل المغانم والمكاسب التي نحاول الحصول عليها يجب أن تتم داخل ذلك الإطار.
وهذه نقطة مفاصلة بيننا وبين الأمم الأخرى. إن الأمم التي تقود الحضارة اليوم قد أسست منذ مدة لوضعية فيها الكثير من المجافاة للروح؛ حيث الأولوية لرفاهية الجسد، وحيث الحكم لمنتجات العقل ومعطيات الخبرة والممارسة. وليس في إمكان القوم على المدى القريب فعل أفضل من ذلك ما داموا فقدوا المفاهيم والرمزيات التي تجعل استمداد الرؤى من الوحي شيئًا معقولًا أو مقبولًا. إن الإيمان يجعلنا ننظر بجدية إلى أن كل التحسينات التي ندخلها على بيئاتنا وعلى أوضاعنا العامة لا تشكل غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لمساعدتنا على تعميق صلتنا بالله تعالى- وعلى النجاح في الابتلاء الذي كتب علينا في هذه الحياة.