الصفحة 3011 من 3812

تركز كتب التاريخ عادة على الجانب السياسي من الحياة..جانب الدول والحكومات وتقلبات الأحوال بها، وذهاب أناس ومجيء آخرين، وإذا أخذنا التاريخ الإسلامي نموذجًا فالصورة نفسها، بل هي أكثر حدة وإيغالًا في إبراز هذا الجانب الذي يختلط فيه الصحيح بالمزيف والحقيقي بالمشوه.

ولكن ماذا عن الجانب الحضاري في تاريخنا الإسلامي وهو مساوٍ للتاريخ السياسي ومتفوق عليه، لماذا لا نبرزه حتى تكتمل الصورة أولًا؟ وحتى يكون المثال والقدوة؟ هذه المساجد العظيمة من بناها، والمدارس والمستشفيات والأوقاف الكثيرة المتنوعة، التي كانت تقدم الخير للناس للكبار والصغار، بل حتى للحيوانات العاجزة والكبيرة في السن، كان هذا في مدننا الإسلامية في دمشق وقرطبة وبغداد والقاهرة في القرن السابع الهجري كان في دمشق مئة مدرسة، منها اثنتان للطب، وواحدة للهندسة، وفي القدس أربع وأربعون مدرسة، وفي بغداد - رغم سقوطها بيد المغول - أربعون مدرسة، وكان فيها المدرسة المستنصرية، التي كانت جامعة فيها مدرسة للطب وأروقة لدراسة المذاهب الأربعة، ومساكن وحمام ومستشفى، وكان في القاهرة خمسون مدرسة، وكل هذه المدارس كانت بجهود أفراد أو أوقاف، آلاف الكتب في شتى فنون المعرفة قام بها علماء مرموقون لخدمة العلم لم ينتظروا أجرًا ماديًا، ولكن ذكرهم استمر في شتى العصور، آلاف العمال المهرة الذين بنوا وشيدوا وصنعوا كل ما تحتاجه الأمة في عصرهم، وكانت لهم مؤسساتهم التي تجمعهم وتحميهم، هؤلاء جميعًا هم الذين أعطوا للحضارة الإسلامية طابعها المونق، وإن ظلوا بعيدين عن الشهرة، بل ربما لا يذكرهم التاريخ.

هذا الجانب الحضاري مستمر في هذه الأمة التي لا يتوقف عطاؤها حتى وهي ضعيفة في الجوانب السياسية أو العسكرية، وقد رأيت مؤخرًا امتدادًا لهذا النفس الحضاري حين قام (الشيخ) بمشروع لتشجيع الشباب على الزواج، ونجح المشروع نجاحًا باهرًا، وقدمت خدمات لهؤلاء الشباب تقدر بالملايين، وهذا مما شجع على الاستمرار في المشاريع الحضارية، فقام مشروع لمساعدة الأسرة المسلمة وتوعيتها وحل مشاكلها عن طريق الدروس والمحاضرات والخبراء الاجتماعيين والدورات التعليمية، ثم قام مشروع متمم لهذه المشاريع، وهو بناء شقق صغيرة وتأجيرها للمتزوجين الجدد بأسعار زهيدة، واكتملت هذه السلسلة بمشروع العيادات الخيرية التي جهزت بأحدث الأجهزة الطبية وبخبرة الأطباء والمستشارين والفقراء يعالجون مجانًا وأصحاب الدخل المحدود بأجور رمزية.

ألم نقل: إن الجانب الحضاري مستمر، وإنه هو الجانب الأقوى والأبرز، وإن هذه الأمة وصفت بالخيرية إلى يوم الدين. إن المسلم ليأمل أن يكون هذا الذي وصفنا نموذجًا يحتذى في كل المدن والقرى في بلاد المسلمين، وليس من الضروري التقليد الحرفي، بل القصد العمل الحضاري بشتى فروعه، وبأوسع معانيه مع الإتقان والإخلاص.

مزالق الطريق

د. محمد العبدة

ليس المصلح من يُعلِّم الناس الخير، ويلقنهم حب الفضائل، ويتعلمون منه أنواع العلوم فيحفظونها ويطبقونها، ولكن من يحتاط ويحترس، ويخشى من زغل العلم ودخائل النفس وخباياها، فينبه إلى المزالق، ويقطع على تلامذته طرائق الفهم الخاطئ، أو وضع الكلام على غير مواضعه؛ وذلك لأن للنفوس عاهات تعتريها من شغف بالغرائب، وحب للظهور والتعالم، فالمربي هو الذي يحرس هذا العلم من أن تتلاعب به الأهواء فتحمله على ما تريد وتصل به إلى مدى لا تحمد عقباه، كما يحرسه من أنصاف المتعلمين الذين لم يرسخوا فيه.

وعندما تطلق العبارات العامة أو المجملة دون تخصيص أو تفسير فإن الناس يحملونها على غير محملها؛ وهذا ما يربك الأفهام، وخاصة إذا تعلقت بأمر من أصول العقائد كالولاء والبراء، أو الإيمان والكفر أو بالمفاهيم الأساسية للإسلام، ومن هنا ينشأ التفرق والاختلاف، وتتشعب الآراء والأفكار، وذلك لنقص العملية التربوية.

إن منهج الاحتراس وسد الكُوى منهج قرآني جاءت به آيات كثيرة، قال - تعالى:"لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا" (النساء: 95) ، وقال تعالى:"فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى" (الأنفال: من الآية17) .

وهو منهج نبوي، فقد كان - صلى الله عليه وسلم - إذا تكلم يعيد الكلمة ثلاثًا لتُعْقَل عنه، ومن صفة كلامه أنه بَيِّنٌ فَصْل يحفظه من جلس إليه، وقد عَلَّم المسلمين التأدُّب مع الأنبياء حتى لا تقع منهم الهفوة ولو كانت غير مقصودة، قال - صلى الله عليه وسلم:"ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خير من يونس بن متى"، وعندما قال له رجل: يا رسول الله يا خير البرية! قال:"ذاك إبراهيم".

وهذا منهج سلفي، فقد خشي التابعي الفقيه عبيدة السلماني أن يضع الناس كتبه على غير مواضعها، فدعا عند موته إلى محوها ورعًا، وقد تكلم الحسن البصري بكلمة حملت على أنها مغايرة لمنهج أهل السنة، قال ابن عون:"لو علمنا أن كلمة الحسن تبلغ ما بلغت لكتبنا برجوعه كتابًا وأشهدنا عليه شهودًا، ولكن قلنا: كلمة خرجت لا تحمل".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت