الصفحة 3012 من 3812

إن في العالم الإسلامي اليوم نهضة علمية، وطلبة علم حريصين كل الحرص على تلقيه وحفظه، وهم حريصون على لقاء العلماء والمربين، فإذا لم يكن العالم ربانيًا عارفًا بدخائل النفوس، يعطي طالب العلم ما يحتاجه ويعيه كان عاقبة ذلك الغلو والتفرق، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وهذا أمر لا يسر من كان همه مصلحة الدعوة وانتشار الإسلام، وإذا كانت هذه الآفات موجودة في واقعنا اليوم، فكم نتمنى على المربين التنبه لها، وسد هذه الثغرة ليكون البناء سليمًا.

قلت في خاطرة سابقة: إن شبكة العلاقات الاجتماعية بين المسلمين واهية ضعيفة، وإن لم تكن بعض حبالها قد تقطعت، ومن الظواهر البارزة التي يعرفها الجميع، مما يمارسه بعض العاملين في مجال الدعوة من سياسة (الإهمال) لإخوانهم، سواء أكان هذا عن عمد أو غير عمد.

وهي سياسة فاشلة من جميع الوجوه؛ لأن الأصل في عقد الأخوة المصارحة والمناصحة، والأمر بالمعروف والشفقة والرحمة، وتفقد الأحوال كما كان يفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين وصف بأنه يتفقد أصحابه، حتى أنه يسأل عن المرأة العجوز التي كانت تقُمُّ المسجد حين افتقدها.

وهي سياسة فاشلة؛ لأن الأخ (المُهمَل) سيتألم جدًا، بل ربما أصيب بعُقَد نفسية وإحباط شديد وهذا قد وقع إلا إذا كان قوي النفس، قوي الإيمان كما فعل كعب بن مالك - رضي الله عنه - عندما هُجِر من الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة بسبب تخلفه عن غزوة تبوك، فقد كان يحضر الجماعة، ويسلم على المسلمين ولكن لم يكن أحد يرد عليه، وأراد ملك الروم استغلال ذلك، ولكن كعبًا كان مستعليًا بإيمانه فصبر حتى جاء الفرج من السماء.

وهي سياسة فاشلة؛ لأنها تعني أن الدعوة لم تستطع معرفة الرجال ومعرفة القدرات والطاقات، ووضع كل إنسان موضعه، مهما يملك من قدرات قليلة.

وهي سياسة فاشلة؛ لأنها دليل على التخلف الحضاري والأخلاقي، ففيها روح الأنانية والفردية، فالذي يفعل هذا لا يبقى معه أحد، وكأنه يقول: أنا ومن حولي نكفي للدعوة.

إن هذا (الإهمال) ليس وليد هذه الأيام، بل هو من أمراض الدعوة في العصر الحديث، والحزبية والأنانية تغذيانه، وإن التحدي الذي يواجهه المسلمون يفرض عليهم أن يكفوا عن هذه السياسة البلهاء، وأن يستفيدوا من كل طاقة، وإن الوسائل الحديثة تساعد على تصنيف القدرات، وإذا لم يفعلوا فما هو إلا الهوى الذي يخفي وراءه التخلف والضعف.

(*) من كتاب (خواطر في الدعوة) .

5/8/1425هـ

يا أهل الفجر

صالح بن عبد الرحمن الخضيري

الحمد لله وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وبعد:

فئةٌ موفقة، وجوههم مسفرة، وجباههم مشرقة، وأوقاتهم مباركة، فإن كنت منهم فاحمد الله على فضله، وإن لم تكن من جملتهم فدعواتي لك أن تلحق بركبهم، أتدري من هم؟

إنهم أهل الفجر، قوم يحرصون على أداء هذه الفريضة، ويعتنون بهذه الشعيرة، يستقبل بها أحدهم يومه، ويستفتح بها نهاره، والقائمون بها تشهد لهم الملائكة، و من أداها مع الجماعة فكأنما صلى الليل كله...

إنها صلاة الفجر التي سماها الله قرآنا فقال - جل وعز:"وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُود".الإسراء: 78.

المحافظة عليها من أسباب دخول الجنة، والوضوء لها كم فيه من درجة، والمشي إليها كم فيه من حسنة، والوقت بعدها تنزل فيه البركة، قال النبي: - صلى الله عليه وسلم:"اللهم بارك لأمتي في بُكورهَ". أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة.

أهل الفجر:

الذين أجابوا داعي الله وهو ينادي (حي على الصلاة، حي على الفلاح) ، فسلام على هؤلاء القوم، حين استلهموا (الصلاة خير من النوم) ، واستشعروا معاني العبودية، فاستقبلتهم سعادة الأيام تبشرهم وتثبتهم، قال - صلى الله عليه وسلم:"بشر المشائين في الظلم إلى المسجد بالنور التام يوم القيامة". أخرجه الترمذي وأبو داود.

يا أهل الفجر:

لقد فزتم بعظيم الأجر، فلا تغبطوا أهل الشهوات والحظوظ العاجلة فما عندهم -والله- ما يغتبطون عليه، بل بفضله وبرحمته فاغتبطوا، وإياه على إعانتكم فاشكروا، وإليه فتوجهوا، يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل، ومن صلى الصبح في جماعة فكأنما صلى الليل كله". أخرجه مسلم.

يا أهل الفجر:

هنيئًا لكم أن تتمتعوا بالنظر إلى وجه الله الكريم في الجنة، قال - صلى الله عليه وسلم -:"إنِّكم سترون ربَّكم كمَا ترون هذا القَمرَ لا تُضامونَ في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تُغلبوا على صلاةٍ قبل طلوع الشَّمسِ وقبلَ غروبها فافعلُوا ثم قرأ:"وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ". أخرجه البخاري ومسلم."

يا أهل الفجر:

ألا ترضون أن يذهب الناس بالأموال والزوجات، وترجعون أنتم بالبركة في الأوقات والنشاط وطيب النفس وأنواع الهديات، ودخول الجنات ونزول الرحمات، قال - صلى الله عليه وسلم -:"من صلى البُردين دَخل الجنة". أخرجه البخاري ومسلم، والبردان: صلاة الفجر وصلاة العصر.

وقال - صلى الله عليه وسلم:"لن يلج النار أحدٌ صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبه". أخرجه مسلم، والمراد بهذا صلاة الفجر وصلاة العصر.

يا أهل الفجر:

أنتم محفوظون بحفظ الله، أنفسكم طيبة، وأجسادكم نشيطة، يقول - صلى الله عليه وسلم:"من صلَّى الصبح فهو في ذمة الله". أخرجه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت