فهرس الكتاب
ويروي أحد الأخوة قصة حقيقية أخرى، فيقول:"إن طفلًا ذهب مع أقاربه لإلقاء كلمات في قرية مجاورة، وذهب كل منهم إلى شارع ليطرق باب الناس وليعلمهم عن محاضرة، وعندما طرق الطفل باب أحدهم، خرج صاحب البيت مغضبًا، فقال له الطفل:"نحن ضيوف أتينا من مدينة مجاورة، وبعد المغرب سنلقي محاضرة، ونتمنى أن تحضر"، فغضب الرجل وبصق في وجه الطفل، فما كان من الطفل إلا أن مسح البصاق من وجهه، وقال:"الحمد لله الذي ابتليت في سبيله"."
اهتز الرجل وتأثر تأثرًا كبيرًا بموقف الطفل، واعتذر منه كثيرًا، وذهب معه للمسجد واستضاف الطفل ومن معه في بيته.
أهمية الاستفادة من الطفل في الدعوة:
لا تنحصر أهمية أن يكون الطفل داعيًا إلى الله في استفادة المجتمع منه، بل يحصل الطفل قبل غيره على الاستفادة من هذه التربية.
لذلك، فإن أهمية الاستفادة من الطفل في الدعوة إلى الله، تنقسم قسمين:
1-تربية الطفل تربية إسلامية صحيحة.
فعندما نربي أطفالنا على قيم الدين الإسلامي الحنيف، نكون قد شكلنا اللبنة الأساسية الصالحة بإذن الله- التي ستؤثر على حياته القادمة كاملة.
فعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"علموا أولادكم الصلاة وهم أبناء سبع"الحديث.
وما ذلك إلا لأن تعلميهم الصلاة وهم أطفال، سيسهل عليهم المواظبة عليها عند الكبر.
وقيل:"العلم في الصغر كالنقش في الحجر"، وهو أساس ما يمكن أن يربى عليه الأطفال، فإن تعلم الطفل في صغره أمور دينه من صلاة وصدقة وصدق وحب الخير وبغض الحرام وقراءة القرآن والذكر، نما وكبر على ذلك، وسهل عليه فيما بعد المواظبة على معظم تعاليم الدين الإسلامي، ولكن إن تعلم في صغره الغش والكذب وترديد الأغاني والألحان ومشاهدة الحرام في المنزل أو في التلفاز، نما وكبر على ذلك، وبات من الصعب جدًا تغيير أصل ما حدث في نفس، وما رسخ في ذاكرته ووجدانه.
2-إبلاغ الدعوة إلى الآخرين.
الفائدة الثانية التي يحققها الاستفادة من الطفل في الدعوة، هو إيصال الرسائل الدعوية إلى الأطفال من جيله، وإلى المجتمع الذي يكبره، بسهولة ويسر، يصبح تأثيرها -في بعض الأحيان- أكبر من تأثير الكتب والأشرطة والوسائل الدعوية الأخرى.
إذ يمتلك الطفل العديد من الخصائص والمميزات التي تساعده على أن يكون داعيًا فاعلًا في المجتمع المحيط فيه، وهو ما يحقق للمجتمع فائدة عظيمة.
ميزات الطفل في الدعوة إلى الله:
يرتكز أساس مشروع الاستفادة من الطفل في الدعوة إلى الله على المميزات التي يمتلكها الطفل دون غيره، والتي تمكنه من إيصال الرسالة الدعوية بكل سهولة ويسر إلى المجتمع.
من هذه المميزات ما يذكره الأستاذ بدر بن عبد الله الصبي (مدرس مادة التربية الإسلامية والمدرس في دور تحفيظ القرآن الكريم) ، وهي:
-الطلاقة في الحديث وحسن التعبير.
-قوة الشخصية وحب القيادة.
-القدوة الحسنة.
-جمال المظهر ونظافة الملبس، ودماثة الخلق.
-شيء من الثقافة والاطلاع.
فيما تذكر السيدة أم عبد الرحمن (الدارسة في دار أم سلمة لتحفيظ القرآن) بعض الميزات الأخرى، وهي:
أ- في الأطفال حماسة لفعل ما يُشعرهم أنهم مثل الكبار.
ب- جرأتهم في إنكار ما عُلّموا أنه منكر دون محاباة أو حرج.
جـ- ميلهم لتقليد الآباء والمربين، فإن صادفوا أسوة حسنة اصطبغوا بصبغتها منذ صغرهم.
د ميلهم للتنافس مع من هم في مثل سنهم، ويمكن أن يدفعهم ذلك لحفظ القرآن والحرص على السمت الإسلامي وتوجيه الآخرين وما إلى ذلك.
هـ - قدرتهم العالية على اختزان المشاهد وشدة تأثرهم لأوقات طويلة بما يرون، يمكن الاستفادة من ذلك في تعريفهم بما يجري لإخواننا المسلمين وتبغيض الكفار لهم وتعريفهم بحقيقة عدوهم وشغلهم بقضايا الأمة وتعويدهم الدعاء للمسلمين ونحو ذلك.
و سعة خيالهم وميلهم لاكتساب المهارات، ويمكن توظيف ذلك بحسب كل طفل.
ز- عمق إحساسهم بالامتنان لمن يحسن إليهم: يمكن أن نغرس في نفوسهم حب الله ورسوله وصحابته وأهل العلم.
وتضيف السيدة أم عبد الرحمن قصة تشير إلى ما ذكرته من صفات خاصة بالأطفال في الدعوة، فتقول:"أعرف طفلًا في المرحلة التمهيدية، وكان شديد التعلق بمعلمته لمعرفتها بطبيعة الأطفال وحسن التعامل معهم لذلك، فقد كان يرفض الخروج مع أمه المتبرجة ما لم تستتر مثلما تفعل معلمته".
كما يضيف الأستاذ عبد الله الصغير بعض هذه المميزات بالقول:"الطفل يتميز بتلقائيته وطاقته العالية وسلامة فطرته وعاطفته وحبه للتقليد والمحاكاة ففي كل مزية من هذه إذا أُحسن استثمارها وهُيّئ الجو المناسب تجعل الطفل قادرًا على الدعوة إلى الله، وأبسط مثال لذلك أن الطفل إذا سمع أو تعلم في منزله أن الدخان حرام مثلًا نجده بتلقائية يقول: إن الدخان حرام في مجتمعات أخرى محيطة به حتى بدون أن يطلب منه ذلك، كذلك إذا أحب الطفل أحدًا من مجتمعه المحيط به بدأ يقلده فيدفع الصدقة للفقير إذا رأى والده يكرر ذلك دائمًا ويوزع الشريط إذا رأى أن هذا ديدن والده أو معلمه".
نماذج واقعية:
من الأمثلة الواقعية التي نعيشها في وقتنا الحالي، الطفل الداعية عبد الله بن محمد جبر، والذي كتبت الكثير من وسائل الإعلام العربية عنه، وكرمه العديد من المشائخ، وأثنى عليها أئمة العلم الشرعي، منهم الشيخ عبد العزيز ابن باز - رحمه الله -، والشيخ عبد الله التركي، وشيخ الأزهر جاد الله، والشيخ محمد بن صالح العثيمين - رحمه الله -، وغيرهم، كل ذلك، وهو لم يكن قد تجاوز عمره التسع سنوات.
وقد ولد الشيخ الطفل عبد الله جبر بمدينة الوادي الجديد في مصر في التاسع عشر من شهر شوال عام 1405 هـ الموافق 7/7/1985 م.