الصفحة 3304 من 3812

فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن، فابعثوها له» ، فبعثوها له واستقبله القوم يلبون؛ فلما رأى ذلك قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه، فقال: رأيت البدن قد قُلِّدت وأُشعرت وما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت (1) .

2 -توظيف حاجة الخصم والمخالف المحارب لما نملك من سلاح الثروات ومقدرات، وتوجيه رد فعله بطريقة تمكن من درء خطره. ويمثله مكاتبة النبي - صلى الله عليه وسلم - قادة غطفان على ثلث ثمار المدينة العام التالي على أن يرجعوا إلى موطنمهم ويتركوا حصار المدينة مع الأحزاب.

همُّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - على عقد الصلح بينه وبين غطفان ثم عدوله عن ذلك:

لما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما حدث عاصم بن عمر بن قتادة عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري، إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة في ذلك. فلما أراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله! أمرًا تحبه فنصنعه، أم شيئًا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئًا تصنعه لنا؟ قال: بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما، فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله! قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قِرىً أو بيعًا، أَفَحِين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟! (واللهِ) ما لنا بهذا من حاجة، واللهِ لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: فأنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب ثم قال: ليجهدوا علينا» (2) .

وينبغي التنبه هنا إلى أهمية معرفة نفسية الخصم وطريقة تفكيره والتنبؤ بطريقة رد فعله في ذلك الإطار؛ حيث أشار الدكتور محمد الصادق عرجون - رحمه الله - في كتابه القيم النفيس: (محمد رسول الله) إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اختار مكاتبة زعيم غطفان دون أبي سفيان لعلمه - صلى الله عليه وسلم - بنفسية كل منهما، وأنه لو حاول مع أبي سفيان لما قَبِل بذلك.

3 -التعايش مع وجود المخالف في المجتمع وتحمُّل أذاه وترك مواجهته بشكل مادي، ولو ترتب على ذلك وجود واحتمال مفاسد تؤثر على سير الدعوة في مقابل تجاوز رسم صورة ذهنية خاطئة للدعوة أو الإسلام ككل لدى المجتمعات البعيدة من غير المسلمين مما قد يترتب عليه صدهم عن دين الله. ويتمثل هذا في ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل المنافقين في مواضع عديدة.

رجوع النبي - صلى الله عليه وسلم - من تبوك وما همَّ المنافقون به من الكيد به وعصمة الله إياه:

ذكر أبو الأسود في «مغازيه» عن عروة قال: ورجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قافلًا من تبوك إلى المدينة حتى إذا كان ببعض الطريق مكر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ناسٌ من المنافقين، فتآمروا أن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق؛ فلما بلغوا العقبة أرادوا أن يسلكوها معه فلما غشيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُخْبِرَ خبرَهم، فقال: من شاء منكم أن يأخذ ببطن الوادي فإنه أوسع لكم، وأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العقبة وأخذ الناس ببطن الوادي إلا النفر الذين هَمُّوا بالمكر برسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما سمعوا بذلك استعدوا وتلثموا، وقد هموا بأمر عظيم، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر فمشيا معه، وأمر عمارًا أن يأخذ بزمام الناقة، وأمر حذيفة أن يسوقها فبينا هم يسيرون إذ سمعوا وكزة القوم من ورائهم قد غشوه، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأمر حذيفة أن يردهم، وأبصر حذيفةُ غضبَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجع ومعه مِحْجَن، واستقبل وجوه رواحلهم فضربها ضربًا بالمحجن، وأبصر القوم وهم متلثمون ولا يشعر إلا أن ذلك فعل المسافر، فأرعبهم الله ـ - سبحانه - ـ حين أبصروا حذيفة، وظنوا أن مكرهم قد ظهر عليه، فأسرعوا حتى خالطوا الناس، وأقبل حذيفة حتى أدرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فلما أدركه قال: اضرب الراحلة يا حذيفةُ وامشِ أنت يا عمارُ! فأسرعوا حتى استووا بأعلاها فخرجوا من العقبة ينتظرون الناس، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لحذيفة: هل عرفت من هؤلاء الرهط أو الركب أحدًا؟ قال حذيفة: عرفت راحلة فلان وفلان. وقال: كانت ظلمة الليل وغشيتهم وهم متلثمون، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: هل علمتم ما كان شأن الركب وما أرادوا؟ قالوا: لا، والله يا رسول الله! قال: فإنهم مكروا ليسيروا معي حتى إذا اطلعت في العقبة طرحوني منها قالوا: أوَ

لا تأمر بهم يا رسول الله إذًا فنضرب أعناقهم؟ قال: أكره أن يتحدث الناس ويقولوا: إن محمدًا قد وضع يده في أصحابه. فسماهم لهما، وقال: اكتماهم» (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت