الصفحة 3305 من 3812

4 -وجود القدوة العملية من «القادة» والمربين وعموم الدعاة أمام مجتمعاتهم بالمشاركة في الأعمال الاجتماعية الشاقة أو في إزالة تحرّج خاطئ قام في نفوس أفراد المجتمع المدعوين. ويمثله عدة مواقف من السيرة النبوية منها مشاركته - صلى الله عليه وسلم - في حفر الخندق في غزوة الأحزاب، وقصة «التحلل» قبل إتمام العمرة يوم الحديبية بسبب منع قريش لهم.

فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: قوموا فانحروا، ثم احلقوا؛ فوالله ما قام منهم رجل واحد حتى قال ذلك ثلاث مرات؛ فلما لم يقم منهم أحد قام فدخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من الناس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله! أتحب ذلك؟ اخرج ثم لا تكلمْ أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بُدْنَكَ، وتدعو حالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك ونحر بُدُنه، ودعا حالقه فحلقه؛ فلما رأى الناس ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غمًا (2) .

5 -حسن اختيار من يقوم بالمهام الدعوية ولا سيما في أوقات الأزمات ممن يضبط ردود فعله بحكمة تفاديًا لما لا تحمد عقباه. ويمثله اختيار النبي - صلى الله عليه وسلم - لحذيفة بن اليمان ليستطلع له أخبار الأحزاب آخر أمرهم.

أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - حذيفة ليتعرف ما حل بالمشركين:

(قال) : فلما انتهى إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما اختلف من أمرهم وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان، فبعثه إليهم لينظر ما فعل القوم ليلًا.

قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: قال: رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله! أرأيتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخي! قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد. قال: فقال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا. قال: فقال حذيفة: يا ابن أخي! والله لقد رأيتنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخندق، وصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هَوِيًّا (3) من الليل ثم التفت إلينا، فقال: مَنْ رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم، ثم يرجع - يشرط له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجعة - أسأل الله - تعالى - أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من القوم، من شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد؛ فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال: يا حذيفة! اذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يصنعون، ولا تُحْدِثَنَّ شيئًا حتى تأتينا. قال: فذهبت فدخلت في القوم؛ والريحُ وجنودُ الله تفعل بهم ما تفعل لا تقرُّ لهم قِدْرًا ولا نارًا ولا بناء. فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش! لينظر امرؤ مَنْ جليسُه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: فلان ابن فلان (1) .

6 -منع قيام التصورات الخاطئة في أذهان المدعوين، بتقديم توضيح لسلوك معين في المواقف ذات الاحتمالات المتعددة فهمًا. ويمثله فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة كان يرافق إحدى أمهات المؤمنين إلى بيتها ليلًا من المسجد مخاطبًا الصحابيين الجليلين اللذين قابلاه في الطريق، ثم أسرعا الخطى: على رِسْلِكُما! إنها صفية.

حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري، قال: أخبرني علي بن الحسين - رضي الله عنهما - أن صفية زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرته أنها جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - معها يقلبها حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لهما النبي - صلى الله عليه وسلم: على رسْلكما إنما هي صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! وكَبُرَ عليهما، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئًا (2) .

7 -إثارة روح التساؤل وإذكاء الرغبة في معرفة الخير والعلم، وعدم إعطاء المعلومة بطريق مباشر، مع توسيع دائرة دلالة المفاهيم. ويمثله الكثير من المقدمات لأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم - التي يستعمل فيها أسلوب السؤال، ومنها: أتعلمون مَنِ المفلس؟ مَنْ تعدون الشديد فيكم؟ أتدرون حق الله على العباد؟ أتدرون مَنِ السائل؟

8 -تصحيح أخطاء المدعوين عن طريق تغيير تصوراتهم من خلال فتح باب الحوار معهم ومجادلتهم بالتي هي أحسن ـ خاصة عند وجود الشبهات وسوء الفهم غير المقصود ـ بدلًا من إصدار الأحكام القيمية عليهم وتأنيبهم وتوبيخهم وتبكيتهم ولو تجاوز الخطأ حجم المقبول عرفًا. ويمثله قصة الأعرابي الذي أخذ جانبًا من المسجد يريد قضاء حاجته، وقصة من تحدّث في صلاته، وقصة الفتى الذي جاء يطلب الإذن من النبي - صلى الله عليه وسلم - في مزاولة الزنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت