فهرس الكتاب
عن أبي أمامة قال: إن فتى شابًا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه قالوا: مَهْ مَهْ! فقال: ادنه، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس؛ قال: أتحبه لأمك؟ قال: لا، والله جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال: أفتحبه لابنتك؟ قال: لا، والله يا رسول الله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: أفتحبه لأختك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قال: أفتحبه لعمتك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم. قال: أفتحبه لخالتك؟ قال: لا، والله! جعلني الله فداءك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهِّر قلبه، وحصِّن فرجه. فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء (3) .
روى البخاري أن أبا هريرة قال: «قام أعرابي فبال في المسجد، فتناوله الناس، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم: دعوه وهريقوا على بوله سَجْلًا من ماء أو ذَنُوبًا من ماء؛ فإنما بُعِثتم ميسِّرين ولم تُبعثوا معسِّرين» (4) .
9 -حُسن الاستماع لرأي المخالف، واعطاؤه فرصة لإتمام حديثه وقول ما يريد قوله دون مقاطعة، وتفهمه واستيعابه قبل محاولة الرد عليه. ويمثله قصة الوليد بن عتبة الذي أرسلته قريش لاستطلاع حقيقة ما جاء به من الوحي.
10 -منع ما من شأنه أن يثبط الهمم ويفت في عضد المجتمع المسلم في الأوقات العصيبة والأزمات ومواجهة الأعداء وإن كان حقًا. ويمثله خبر إرسال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب وصحابي آخر ليستطلعا له حقيقة خبر نقض يهود ـ لعنة الله عليهم ـ لعهدهم.
11 -حُسن تقدير احتمالات ردود الفعل السلبية عند إرادة القيام بعمل ما، واتخاذ القرار المناسب وفق ما يترجح ويغلب على الظن منها حتى لو أدى ذلك إلى التنازل عن تحقيق مصالح أو مكاسب لكنها لا تقارن بحجم المفسدة المترتبة على الفعل؛ يمثل هذا إرادة النبي - صلى الله عليه وسلم - إعادة بناء الكعبة على أصولها ألأولى وإدخال حِجْر إسماعيل ضمن البيت؛ لكنه لم يفعل ذلك، وأخبر عن نيته ورجوعه عنها لتبقى قاعدة عامة يرجع إليها المؤمنون ويعملونها. وهنا في الحقيقة ترك الفعل لدرء مفسدة؛ فترك الفعل فعل حكيم عند إعمال مثل هذه القاعدة.
عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم: لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم - عليه السلام -؛ فإن قريشًا استقصرت بناءه، وجعلت له خلفًا» (5) .
وبينما كان عبد الملك بن مروان يطوف بالبيت إذ قال: قاتلَ اللهُ ابنَ الزبير؛ حيث يكذب على أم المؤمنين يقول: سمعتها وهي تقول: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: يا عائشة! لولا حدثان قومك بالكفر لنقبت البيت. قال أبي: قال الأنصاري: لنقضت البيت حتى أزيد فيه من الحِجْر؛ فإن قومك قصروا عن البناء فقال الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة: لا تقل هذا يا أمير المؤمنين؛ فأنا سمعت أم المؤمنين تحدث هذا فقال: لو كنت سمعت هذا قبل أن أهدمه لتركته على بناء ابن الزبير (6) .
قواعد وأصول عامة في ردود الأفعال:
وأختم الحديث عن موضوع الأسس بذكر قواعد وأصول عامة تفيد الدعاة والمؤسسات الدعوية في التعامل مع الموضوع:
1 -أهمية الاستعداد القَبْلي للردود المتوقعة، أو ما أسماه الإمام الشاطبي بتقدير مآلات الأقوال والأفعال في موافقاته.
2 -تطوير الاستعداد الآني لمواجهة المواقف غير المتوقعة؛ وذلك بإتقان ما يلي:
قواعد فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قواعد فقه الأولويات.
قواعد فقه الموازنات.
3 -أهمية المرونة في التعامل مع الناس والتدرب المستمر على ضبط النفس والتحلي بالصبر، والتحكم في الانفعالات والعواطف.
4 -الإفادة من خبرات الآخرين وتجاربهم.
5 -معرفة الواقع والبيئة المحيطة بالإنسان بما في ذلك الأفكار والاتجاهات والمدارس الفكرية والفئات.
6 -تطوير مهارة قراءة: أفكار الآخرين، ووجوههم، وحركاتهم وإشاراتهم، وهو علم أو فن أصبحت له مدارسه ومقالاته وكتبه التي يمكن الإفادة منها.
7 -معرفة أنواع الناس وأصنافهم وسمات كل نوع.
8 -تطوير مهارات التفكير المختلفة.
9 -وهذا يوجب على الدعاة - اليوم وفي كل زمان - حسن عرض دعوتهم للناس، وتزيين الحق والخير في قلوبهم، وتقبيح الباطل والشر في أنظارهم. ومخاطبة العقل والقلب معًا وعدم الاكتفاء بمخاطبة واحد منهما دون الآخر ولا سيما مع تفاقم الشر وتزيينه من قِبَل شياطين الجن والإنس، واستشراء الشبهات حتى كادت أن تزاحم الحق عند الكثير منهم.
فمن هذا الحسن: وجوب استعمال الاستدلال العقلي إلى جانب الاستدلال النقلي.
ومن ذلك حسن اختيار عناوين المحاضرات العلمية التي تجذب الناس وتشد أسماعهم فينقادون لحضورها، كما أن لحسن اختيار العناوين حسنات وإيجابيات أخرى منها أنها تضع إطارًا للموضوع المراد التحدث فيه يهدي الداعية إلى حسن الإعداد والتحضير، ويأخذ بيده للسير في دروب ذلك الإطار، وينبغي الابتعاد عن العناوين المرتجلة والمجردة وذات المحتوى الذي يكشف ما يريد الداعية قوله والتكلم فيه مما يزهِّد المدعو في الحضور.
فمثلًا بدلًا من: (العلم الشرعي والحاجة إليه) يمكن أن يقال: (العلم الشرعي ودوره في مواجهة التحديات المعاصرة) .