الصفحة 3307 من 3812

فلا يكون الحديث مجرد سَوْق للأدلة الشرعية على الحث على العلم وبيان فضله، بل يتعداه إلى كيف السبيل للحصول عليه، وكيف نستفيد من هذا العلم ونوظفه في ما يواجهنا من أحداث الحياة ومتغيراتها ومستجداتها، وكيف نطبقه في شتى مجالات الحياة، وكيف يتم تنزيله على وقائعها.

ومن الأمثلة في هذا الباب: ما جاء في شأن العقيدة: نلاحظ من أدلة القرآن والسنة أن الأصل في أمر العقيدة هو الثبات وعدم المساومة، ونلمح ذلك في سبب نزول سورة {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ} [الكافرون: 1] ، كما روى ابن هشام في سيرته بقوله: «واعترض رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يطوف بالكعبة ـ فيما بلغني ـ الأسودُ بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، والوليدُ بن المغيرة، وأميةُ بن خلف، والعاصُ بن وائل السهمي، وكانوا ذوي أسنان في قومهم، فقالوا: يا محمد! هلمَّ فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الأمر؛ فإن كان الذي تعبد خيرًا مما نعبد كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرًا مما تعبد كنتَ قد أخذت بحظك منه. فأنزل الله ـ - تعالى - ـ فيهم: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون َ* لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} [الكافرون: 1 - 6] ، أي إن كنتم لا تعبدون إلا الله إلا أن أعبد ما تعبدون فلا حاجة لي بذلك منكم، لكم دينكم جميعًا، ولي ديني» (1) .

ويتكرر ذلك في حدث آخر من أحداث السيرة النبوية عندما طلب المشركون من أبي طالب لما ثقل به المرض عهدًا بينهم وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليكف عنهم. يروي ابن هشام القصة فيقول: «قال ابن إسحاق: ولما اشتكى أبو طالب، وبلغ قريشًا ثقله قالت قريش بعضها لبعض: إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا، والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا.

قال ابن إسحاق: فحدثني العباس بن عبد الله بن معبد (ابن عباس) عن بعض أهله عن ابن عباس، قال: مشوا إلى أبي طالب فكلموه، وهم أشراف قومه: عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وأبو سفيان بن حرب في رجال من أشرافهم، فقالوا: يا أبا طالب! إنك منا حيث قد علمت وقد حضرك ما ترى، وتخوَّفنا عليك، وقد علمتَ الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ له منا، وخذ لنا منه ليكف عنا، ونكف عنه وليدعنا وديننا، وندعه ودينه، فبعث إليه أبو طالب فجاءه. فقال: يا ابن أخي: هؤلاء أشراف قومك، قد اجتمعوا لك، ليعطوك، وليأخذوا منك. قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: نعم! كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم. قال: فقال أبو جهل: نعم وأبيك! وعشر كلمات. قال: تقولون: لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه. قال: فصفقوا بأيديهم، ثم قالوا: أتريد يا محمد أن تجعل الآلهة إلهًا واحدًا؟ إن أمرك لَعَجَبٌ (قال) : ثم قال بعضهم لبعض: إنه والله! ما هذا الرجل بمعطيكم شيئًا مما تريدون، فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه. قال: ثم تفرقوا» (2) .

(*) أستاذ مشارك في الجامعة الإسلامية بماليزيا.

(1) رواه البخاري، الجهاد والسير، رقم 2812.

(1) عصرنا ملامحه وأوضاعه، دمشق، دار القلم، ص 93 ـ 101، 1420هـ ـ 1999م.

(1) سيرة ابن هشام، ج3، ص 262.

(2) سيرة ابن هشام، 2/224.

(1) زاد المعاد، 3/ 478.

(2) زاد المعاد، 3/ 263.

(3) هَوِيًّا من الليل: أي وقتًا من الليل.

(1) سيرة ابن هشام، 2/ 223 ـ 224.

(2) البخاري، رقم 1894.

(3) مسند الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي، رقم 21185.

(4) البخاري، رقم (213.

(5) البخاري، رقم 1482، ومسلم، رقم 2373.

(6) مسند أحمد، رقم 24955.

(1) سيرة ابن هشام، ج 1، ص 363.

(2) سيرة ابن هشام، ج 1/ 418.

جمادى الأول 1425هـ * يونيو/يوليو 2004م

هكذا علمنا السلف (81 ) صفة العبد الموفق انشغاله بما يعنيه:

د. يحيى بن إبراهيم اليحيى

قال ابن مسعود: «إذا أراد الله بعبد خيرًا سدده وجعل سؤاله عما يعينه وعلّمه فيما ينفعه» (1) .

من انشغل بما لا يعنيه ترك ما يعنيه:

قال زيد بن علي لابنه: «يا بني اطلب ما يعنيك بترك ما لا يعنيك، فإنه في تركك ما لا يعنيك دركًا لما يعنيك، واعلم أنك تقدم على ما قدمت ولست تقدم على ما أخرت، فآثر ما تلقاه غدًا على ما لا تراه أبدًا» (2)

لو كلفوا بما حملوا أنفسهم من البحث والتنقير لعجزوا عنه:

حدثني ابن الصوف قال: سمعت أبي يقول: سمعت بعض العلماء يقولون: «لو كلف الله هؤلاء ما كلفوه أنفسهم من البحث والتنقير لكان من أعظم ما افترضه عليهم» (3) .

لا تتاح الفرصة لأصحاب الخيالات في أسئلتهم:

عن الصلت بن راشد قال: سألت طاووسًا عن مسألة فقال لي: أكانت، قلت: نعم، قال: آلله، قلت: آلله، قال: إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل أنه قال: «أيها الناس لا تسألوا عن البلاء قبل نزوله فيذهب بكم ههنا وههنا، وإنكم إن لم تسألوا لم تبتلوا، فإنه لا ينفك أن يكون في المسلمين من إذا قال وفق أو قال سدد» (4)

الانشغال بما طلب منك يكفيك عن غيره:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت