فهرس الكتاب
رِقّة هذه الذّرات لا تحتمل الخلافات الفقهيّة، ومصطلحاتها، و لكن لا بأس أنْ تحمل الرقّة شيئًا من الشّراسة، إذا لزم الأمر، فالمدح منه المذموم، إذا كان بكذب، و تزوير للحقائق، و هذا مُجْمع على تحريمه، أو ما كان فيه مظنّة الوقوع في الحرام من قبل الممدوح، و هذا حكمه ما بين التحريم، و الكراهة، و من المدح المدح المحمود، فمنه ما هو واجب إنْ كان من باب ذكر الحقّ، أو عند طلبه كتزكية من شاهد على آخر، و منه ما هو مُستحَبّ، كمدح من يستحقّ المدح، أو من يكون المدح مشجّعًا له على الطّاعات و الخيرات و العمل الصالح، وهذا وقع من النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كثيرًا، فكان يمدح أبا بكر وعمر وعثمان وعليّ وجماعات، والأمر في ذلك مستفيض عنه، وعليه كان عمل السلف الصالح ي- رحمهم الله -، ولما جثا المقداد على ركبتيه يحثو التراب على وجه من مدح عثمان، فسّر الفقهاء ذلك بأنّه سمع مدحًا مذمومًا، ومع ذلك فإنّ جمهورهم على أنّ المقصود الإنكار بما يقع به الإنكار، لا أنّ ذلك كل طرق الإنكار، فيا من وحّدت رُؤاك، و حصرت فِقْهك، هلا أعملت بصيرتَك! تُرى... هل من غاب عن أمّته سنوات، أنتج فيها سبعة آلاف مادة، ترى كم كان نصيبه اليوم من عمر زماننا، و لا يزال مُنْحنى إنتاجه في صعود رائع؟ أترى مثل هذا يزيده مدح، أو يوقفه ذمّ؟ و لا نزكّي على الله أحدًا.
لماذا أصبحنا لا نكتفي بالبخل فقط عن التي أصلها ثابت، فوصلنا إلى مستوى من التعطّش لها كاد يهلكنا، فإذا بنا نزجّ بتنفسنا في الحالة النفسيّة المقتضية له، ألا وهي الشحّ (كما ذهب الكفوي في كُلّياته) !
فيا من تقبع في صحرائك القاحلة، هلا حفرْت بئرًا! هلا زرعت نبتة خضراء يكون لك أجرها! هلا فجّرت عينًا! هلا سقيت ظبية أهلكها الظمأ! أم أنّك ستبقى تحثو التراب حتى تتلاشى يومًا ما مع غباره دونما أثر لك و لا سيرة!
-هذا زمان الفتن، و القلوب مريضة... وأيّ زمان قد خلا من الفتن، منذ أنْ خلق الله آدم - عليه السلام -.
و لماذا لا نؤسّس وننشئ على معاني الطّهر والتقوى القلوبَ والأنفسَ التي تحتاج إليها دعوتنا اليوم، ونصبر على ذلك، بدلًا من أنْ نؤكّد دومًا على عيْب زماننا وفِتَنه؟
أَوَ ليْسَ التأسيس أولى من التوكيد!
-خلق الله للطّيف سبعة ألوان جميلة، ولكنّنا لا نراها إلا عندما تغتسل الدنيا من ذنوبها، ونحن نريد أنْ نخنق البشر بحزام لونّي واحد، أليس في هذا مصادمة لسنن الله - تعالى - في كونه؟
و متى نرى ألوانهم الجميلة؟
إضاءات
عندما تطالع الكتب و المقالات تتعرّف على العالم والمفكر، وعندما تتجوّل في رياض الإضاءات، تكتشف الإنسان، روح تسبح في فضاء هذا الكون العريض، تبحث عن الحقيقة، الحبّ، الجمال، الصّدق، معها تواجه نفسك، تعيد ترتيب أوراقك، من بين سطورهم، سطور لم تقرأ بعد، تتساءل... لم لا تكتمل؟
هُمُومُه و هُمُومي
أمّته... وذاتي، شموخ عِلمه... وغرور جهالاتي، ورشد سيره... وطفولة خُطُواتي، وحِكمة عمره... وجنون أيّامي، و ثَراء حروفِه... وفَقْر مقالاتي، وعُمْق جذوره... وتسلّق وُرَيْقاتي، وهدوء بحره... وصَخَب شُطْآني، وصِدق وقائعه... وادّعاء أحلامي، وبيّنة دعواه... ويمين نُكراني، وفُيُوضات مِداده... وبخْل أنفاسي، وبسط كفّيه في زمن الانقباض، ووهج شموعه في حالك ظلامي، وبلْسم رياحينه... ووَخْز أشواكي، وذَوَبان حدوده... وتجمّد أسواري، وانطلاقة روحه من أغلال انتقاداتي، وتفرّد نسيجه... وتشابه خِيطاني، وجديد غزله... وقديم ثيابي، وجمال لبّه... وقشور بهائي، وطحْن خلاياه... وجَعْجعة نبراتي، ولوْعات قلبه... وجمود عَبَراتي، وأنين ليله... وطول غَفَواتي، وحرّ دموعه... وبرودة أجفاني، وعمق احتوائه... وشرود ذرّاتي، وفيء ظِلاله... وحر ّصحرائي، وروْعة مَتْنه... وعَبَث أشعاري، وإشراقات إضاءاته في ليل حياتي.
و بالرغم من كل هذا، لا زال يصبر، و يربّى، و يعلّم...
يا لها من نفس!
وأخيرًا
يا رُفْقةَ الرّوح في زمان غربتي، إذ الحديث منكم وإليكم، في ثوانٍ اختطفناها من عمر الزّمان، كان يومًا ما حلمًا جميلًا، يُداعب طيفه خيالي، فبات حقيقة، أَوْرَقت لها أيّام عمري، وأينعت زهور دربي، فكان ميلاد ذراتي، أين ما كنتم.
وحيثما ذُكِر اسمُ اللهِ في بلدٍ*** عدَدْتُ ذاك الحِمى من لُبّ أوطاني
في أيّ زمان جئتم، (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ...) [الحشر: من الآية10] يفيض الشّوق حنينًا إليكم، تترقرق دَمَعات في عيوني.
أُحبّكم في الله.
بعدها... تصمت ذراتي، فقد ذابت كل لغات البشر.
هكذا علمنا السلف ( 79 ) حجاب العقل الشهوة:
د. يحيى بن إبراهيم اليحيى
قال الوزير العباسي بن هبيرة الدوري: «إحذروا مصارع العقول، عند التهاب الشهوات» (1) .
الباب الحادي عشر: عدم الانتماء إلى اسم يجر إلى التحيز عن سائر المسلمين:
عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: «من أقر باسم من هذه الأسماء المحدثة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» (2) .
الانتماء إلى ملة محمد - صلى الله عليه وسلم - فقط:
عن ابن عباس قال: قال معاوية: «أنت على ملة علي، قلت: ولا على ملة عثمان، أنا على ملة محمد - صلى الله عليه وسلم -» (3) .
عن ابن طاووس عن أبيه قال: قال رجل لابن عباس: «الحمد لله الذي جعل هوانا على هواكم، فقال ابن عباس: الهوى كله ضلالة» .