في بيتها بعد وفاة زوجها، وأخبرته فريعة بنت مالك بن سنان أخت أبي سعد رضي الله عنهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمرها بعد وفاة زوجها: أن تمكث في بيته حتى يبلغ الكتاب أجله، قضي بذلك - رضي الله عنه -، وهكذا قضى بالسنة في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة، ولما بلغ عليًا - رضي الله عنه - أن عثمان - رضي الله عنه - ينهى عن متعة الحج أهل علي - رضي الله عنه - بالحج والعمرة جميعًا، وقال: لا أدع سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقول أحد من الناس، ولما احتج بعض الناس على ابن عباس - رضي الله عنهما - في متعة الحج، بقول أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - في تحبيذ إفراد قال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء!! أقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتقولون قال أبو بكر وعمر، فإذا كان من خالف السنة لقول أبي بكر وعمر تخشى عليه العقوبة فكيف بحال من خالفها لقول من دونهما، أو لمجرد رأيه واجتهاده؟ ولما نازع بعض الناس عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - في بعض السنة، قال له عبد الله: هل نحن مأمورون باتباع عمر أو باتباع السنة؟ ولما قال رجل لعمران بن حصين رضي الله عنهما: حدثنا عن كتاب الله، وهو يحدثهم عن السنة، غضب - رضي الله عنه - وقال: إن السنة هي تفسير كتاب الله، ولولا السنة لم نعرف أن الظهر أربع، والمغرب ثلاث والفجر ركعتان، ولم نعرف تفصيل أحكام الزكاة الى غير ذلك، مما جاءت به السنة من تفصيل الأحكام، والآثار عن الصحابة - رضي الله عنهم - في تعظيم السنة ووجوب العمل بها، والتحذير من مخالفتها كثيرة جدًا.
ومن ذلك أيضا أن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - لما حدث بقول - صلى الله عليه وسلم: (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) ، قال بعض أبنائه، والله لنمنعهن. فغضب عليه عبد الله وسبه سبًا شديدًا، وقال: أقول قال رسول الله وتقول: والله لنمنعهن، ولما رأى عبد الله بن المغفل المزني - رضي الله عنه -، وهو من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعض أقاربه يخذف، نهاه عن ذلك وقال له: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الحذف، وقال إنه لا يصيد صيدا ولا ينكأ عدوًا، ولكنه يكسر السن ويفقأ العين، ثم رآه بعد ذلك يخذف فقال: والله لا كلمتك أبدًا، أخبرك ان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن الخذف ثم تعود.
وأخرج البيهقي عن أيوب السختياني التابعي الجليل، أنه قال: إذا حدثت الرجل بسنة فقال: دعنا من هذا، وأنبئنا عن القرآن فاعلم أنه ضال. وقال الأوزاعي - رحمه الله -. السنة قاضية على الكتاب، أي تقيد ما أطلقه، أو بأحكام لم تذكر في الكتاب، كما في قول الله - سبحانه: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون) (النحل/44) . وسبق قوله - صلى الله عليه وسلم: (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) ، وأخرج البيهقي عن عامر الشعبي - رحمه الله - أنه قال لبعض الناس: (إنما هلكتم في حين تركتم الآثار) يعني بذلك الأحاديث الصحيحة.
وأخرج البيهقي أيضًا عن الأوزاعي - رحمه الله - انه قال لبعض أصحابه: إذا بلغك عن سول الله حديث، فإياك، أن تقول بغيره، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان مبلغًا عن الله - تعالى -.
وأخرج البيهقي عن الإمام الجليل سفيان بن سعيد الثوري - رحمه الله - أنه قال: إنما العلم كله العلم بالآثار، وقال مالك - رحمه الله: ما منا إلا راد ومردود عليه إلا صاحب هذا القبر، وأشار إلى قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال أبو حنيفة - رحمه الله: إذا جاء الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلى الرأس والعين. وقال الشافعي - رحمه الله: متى رويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حديثًا صحيحًا فلم آخذ به، فأشهدكم أن عقلي قد ذهب، وقال أيضًا - رحمه الله: إذا قلت قولًا وجاء الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بخلافه، فاضربوا بقولي الحائط، وقال الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله - لبعض أصحابه: لا تقلدني ولا تقلد مالكًا ولا الشافعي، وخذ من حيث أخدنا، وقال أيضًا - رحمه الله: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يذهبون إلى رأي سفيان، والله - سبحانه وتعالى- يقول: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) (النور/63) .
ثم قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله - عليه الصلاة والسلام -، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، وأخرج البيهقي عن مجاهد بن جبر التابعي الجليل أنه قال: في قوله - سبحانه: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) (النساء/59) . قال: الرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول الرد إلى السنة.
وأخرج البيهقي عن الزهري - رحمه الله - انه قال: كان من مضى من علمائنا يقولون: الاعتصام بالسنة نجاة، وقال موفق الدين بن قدامة - رحمه الله - في كتابه روضة الناظر، في بيان أصول الأحكام، ما نصه: والأصل الثاني من الأدلة سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حجة، لدلالة المعجزة على صدقه، ولأمر الله بطاعته، وتحذيره من مخالفة أمره. انتهى المقصود.