إننا معشر المؤسسات الخيرية نحقق لكم الغنم ونتحمل عنكم مسؤولية الغرم، وإننا ندرك أن رسالتنا صعبة أكثر منكم، ولأجل هذا فقد أشركنا التشريع الإسلامي بالأجر مثلكم: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) .
إننا نرفع لكم تبعات المسؤولية، وتبعات التقصير، وتبعات الهواجس الأمنية، وإن كنا لا نستغني عن مساندتكم المعنوية.
إننا (مؤسساتكم) بأعمالنا ومشاريعنا نعتبر من خطوط الدفاع الأولى عنكم وعن مصالحكم، حيث إن المؤسسات الخيرية من خير ما يوفر الأمن الوقائي لدولنا ومجتمعاتنا، ولأننا بوجودنا المؤسسي أصبحنا حجة عليكم ولسنا حجة لكم.
إن أعمالنا الخيرية صمام أمان للقطاع العام والخاص، إننا حماة لكم، فهلا بحثتم عن مؤسساتكم الخيرية قبل أن تبحث عنكم؟ وهلا أعطيتموها قبل أن تطلبكم؟ وبادرتم إليها قبل أن تبادر إليكم؟ فمتى تستقيم الأهداف بجمع الأموال لإنفاقها على أبواب الخير والنفع العام لتكون التجارة الرابحة؟
وإنكم لن تتحملوا أخطاء ما يمكن أن يحدث من تجاوزات أو اجتهادات أو تصرفات إننا صوتكم المسموع وسفيركم في الداخل والخارج، حيث لا يعرف العمل الخيري حدودًا ولا سدودًا، ولم يفرق بين المحتاجين عبر جميع العصور والأزمان وفي أي مكان.
وإن العمل الخيري العالمي الآن يتجاوز حدود الزمان والمكان لتحقيق أهدافه المتباينة، ولكنه في الإسلام يتحرك بدوافع الإيمان والإحسان، وسفير خير وأمان إلى كل الأوطان، ليمد جسور التلاحم بين الأمم والدول.
وإننا إياكم بحاجة ماسة إلى العمل على رضى الرحمن ودفع غضبه دون غيره، فعمل الخير لا ينتظر الشكر والعرفان، فتقديمه للآخرين واجب وهو بحد ذاته شكر وثناء للرحمن، وإننا جميعًا بحاجة ماسة إلى الإخلاص ووضوع الهدف: {إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورًا * إنا نخاف من ربنا يومًا عبوسًا قمطريرًا} .
وإننا واثقون وإياكم أننا بهذا الهدف وبتلك التضحيات بأنفسنا وأوقاتنا وأموالنا ومصالحنا الشخصية سوف نحظى بتقدير الجميع طال الزمن أم قصر، فالعاقبة للمتقين: (من أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، ومن أسخط الناس برضاء الله كفاه الله مؤنة الناس) .
لقد سبقكم أبو بكر ببذله وعطائه، حتى ليكاد الناظر إلى نفقاته أن يقول: سوف يصبح فقيرًا، ولكن الإنفاق يزيد من أصل المال (ما نقص مال من صدقة، بل تزده، بل تزده) .
وهل نسيتم ما فعل عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - في عام الرمادة؟ ثم هل يخفاكم تجهيز عثمان - رضي الله عنه - لجيش العسرة وإرهاب الرومان حماية لدولة الإسلام والقرآن؟
لقد تنافس سلفكم الصالح على بذل أصول أموالهم دون فضولها {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} فكانت خير النتائج لأمة الإسلام ودولته.
لقد سبقكم الآباء والأجداد بإيقاف معظم ما يملكون لإيمانهم العميق باستمرار الملكية الحقيقية بثواب لا ينقطع وأجر لا يتوقف.
إخواننا... خصصوا لأنفسكم أوقاتًا يسيرة لتقرؤوا عن سلفكم، كيف أسهموا في الحفاظ على قوة الأمة وبناء حضارتها الزاهرة بالوقف على الجوامع والجامعات، والإسكان والبيمارستانات (المستشفيات) ، وعلى العجزة والأيتام والمساكين، بل وعلى الثغور والمجاهدين.
إخواننا رجال المال والأعمال:
أيرضي ربنا، أم يرضي مجتمعاتنا؟ أم سوف يرضي ضمائرنا؟ (واقع حالنا مع أموالنا) ، وأن تكون ثرواتنا في بنوك غيرنا، أو في بنوكنا، ولكنها تسهم في فعاليات التنمية لغيرنا. أم يرضيكم أن تكون أموالكم وسيلة ضغط وابتزاز عليكم وعلى دولكم؟
أليس من المخجل حقًا علينا جميعًا أن الإيداعات النقدية العربية في البنوك الأجنبية بلغت في دول السوق الأوربية المشتركة (650) مليار دولار، كما بلغت في الولايات المتحدة الأمريكية حوالي ترليون (975) مليار دولار، كما أن حجم ثروات الأثرياء العرب الشخصية فقد (800) مليار دولار، كما أن هناك مصادر أخرى تقول إنها بلغت (1. 2) ترليون دولار مجمل الثروات الفردية الخليجية المستثمره في الخارج؟
وماذا لو تم إخراج زكاة هذه الأموال فقط فضلاُ عن التبرع والوقف والهبات؟
وأين مساهمات البنك المحلية في عالمنا العربي والإسلام في مجالات أعمال مؤسسات القطاع الخيري قرضاَ أو تبرعًا أو مساندة استثمارية، ولو بجزء يسير من تلك الإيداعات النقدية التي فاقت فوائدها نظيراتها في بقية دول العالم.
فأيد رد الجميل للمودعين؟ وأين البنوك من الوجه الحضاري والإنساني للحياة بالوفاء للأفراد والمجتمعات وأعمال الخير للمؤسسات؟ أم أن التكديس والتقديس للمادة أصبح هدفًا للحياة؟!
أيرضيكم إخواننا رجال المال والأعمال أن يسبقكم غيركم من اليهود والنصارى في الإنفاق والأوقاف، وقد تجرد كثير منهم من ماله أو من جزء كبير من ماله؟
اقرؤوا عن سورس اليهودي الأمريكي (suros) الذي فتح بأمواله (33) فرعًا لأعماله الخيرية، وخص منها (28) فرعًا في بلادكم الإسلامية، ومن أبرز أعماله، برنامج المنح الدراسية لآلاف الطلاب، وخص منها بلادكم بلاد البلقان المسلمة، والتي دفع لها بمفرده (350) مليون دولار، ثم تجاوز عمله إلى بلادكم الأخرى (الجمهوريات الإسلامية) .
ولا بد من وقفات طويلة عند حجم وقوة مؤسسات غيرنا الوقفية من أمثال: (ليلي أند أونت) (12. 5) مليار دولار، ومؤسسة (نوبل) وجوائزه الوقفية، ومؤسسة (فورد) بجامعتها ومستشفاها (10. 8) مليار دولار، ومؤسسة (روكفلر ودوك) بتعليمها وطبها، ومؤسسة (روبرت وودجونسون(8. 7 مليار دولار) وغيرها كثير.