الصفحة 3488 من 3812

وقد جرت عادة الكثيرين منا أن يسترخوا حين ينجزون عملًا متميزًا؛ مما يضعهم على بداية الطريق إلى أزمة تنتظرهم. ولذا فإن الرجل الناجح، هو الذي يسأل نفسه في فورة نجاحه عن الأعمال التي ينبغي أن يخطط لها، ويقوم بإنجازها؛ فالتخطيط هو الذي يجعل أهمية المرء تأتي قبل الحَدَث. أما معظم الناس فإنهم لا يفكرون إلا عند وجود أزمة، ولا يتحركون إلا حين تحيط بهم المشكلات من كل جانب، أي يستيقظون بعد وقوع الحدث، وبعد فوات الأوان!

2 -إن وعي كثيرين منا بـ (الزمن) ضعيف، ولذا فإن استخدامنا له في حل مشكلاتنا محدود.

وحين يجتمع الناس برجل متفوق فإنهم يضعون بين يديه كل مشكلاتهم، ويطلبون لها حلولًا عاجلة متجاهلين عنصر (الزمن) في تكوينها وتراكمها، وطريقة الخلاص منها. ووجود هدف في حياة الواحد منا يجعل وعيه بالزمن أعظم، ويجعله يستخدمه في تغيير أوضاعه.

إذا سأل كل واحد منا نفسه: ماذا بإمكانه أن يفعل تجاه جهله بعلم من العلوم - مثلًا - أو قضية من القضايا؟ فإنه يجد أنه في الوقت الحاضر لا يستطيع أن يفعل أي شيء يذكر تجاه ذلك. أما إذا سأل نفسه: ماذا يمكن أن يفعل تجاهه خلال خمس سنين؟ فإنه سيجد أنه يستطيع أن يفعل الكثير؛ وذلك بسبب وجود خطة، واستهداف للمعالجة، وهما دائمًا يقومان على عنصر الزمن.

إني أعتقد أن كثيرًا من الخلل المنهجي في تصور أحوالنا، وحل أزماتنا، يعود إلى ضيق مساحة الرؤية، ومساحة الفعل معًا، وذلك كله بسبب فقد النظر البعيد المدى.

3 -إن كثيرًا من الناس يظهرون ارتباكًا عظيمًا في التعامل مع (اللحظة الحاضرة) وذلك بسبب أنهم لم يفكروا فيها قبل حضورها، فتتحول فرص الإنجاز والعطاء إلى فراغ قاتل ومفسد؛ وهذا يجعلنا نقول: إننا لا نستطيع أن نسيطر على الحاضر، ونضبط إيقاعه، ونستغل إمكاناته، إلا من خلال مجموعة من الآمال والأهداف والطموحات، وبهذا تكون وظيفة الهدف في حياتنا هي استثمار اللحظة الماثلة على أفضل وجه ممكن.

إني أتجرأ وأقول: إن ملامح خلاص جيلنا، والجيل القادم ــ على الأقل ــ من وهن التخلف والانكسار قد تبلورت في أمرين: المزيد من الالتزام بالمنهج الرباني، والمزيد من التفوق، ولا نستطيع أن نجعل هذين الأمرين حقيقة واقعة في حياتنا من غير تحديد أهداف واضحة.

ويرى الشيخ خالد الدرويش أن من أهم وسائل تفعيل دور الفرد المسلم في مجتمعه أو أمته أن يوجد لديه ما يسمى بالذاتية الدعوية، وهي كما يعرفها:

(انطلاقة المؤمن ومسارعته للعمل الدعوي بحافز ذاتي من نفسه للعمل لهذا الدين دونما طلب من أحد أو متابعة بل هو السعي لطلب الأجر والمثوبة من الله) .

ويبين الدرويش هذه الوسائل فيقول:

أولًا: التميز الإيماني والتفوق الروحاني:

لابد أن ندرك أن أول أساسيات المبادرة والعطاء حسن الصلة بالله - تعالى - وعظيم الإيمان به وجميل التوكل عليه والخوف منه وهكذا كان السلف الصالح عندما أخلصوا لله كان سمتهم ورؤيتهم موعظة مؤثرة وأن الواحد منهم ليقول الكلمة يهدي بها الفئام من الناس فقوة الصلة بالله تجلب التوفيق والتأثير في الآخرين كما كان الرجل الصالح محمد بن واسع إذا رؤي ذُكر الله.

ثانيًا: الزاد العلمي والرصيد الثقافي:

إن التميز الإيماني لابد أن يعضده الجانب العلمي لذا علينا أن نفهم الإسلام بشموله ونقف على حقائقه وأحكامه ونعنى بقواعده وأصوله وأن نتدارسه من مصدريه الكتاب والسنة (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك..)

فالإسلام له خصائص تميزه عن غيره فينبغي للمؤمن الداعية أن يتعرف عليها ويستشعرها في نفسه شعورًا بعظمة دينه وزيف ما سواه ليتحرك من أجله ويكون الدين كله لله.

فإذا توفر للداعية رصيد علمي مناسب وزاد ثقافي جيد كان ذلك عونًا له في دعوته ورافدًا من روافد نجاحه ومبادرته الذاتية.

ثالثًا: معرفة فقه الدعوة والعمل للإسلام:

لابد ابتداء معرفة الدافع للحركة: لمن يتحرك الداعية؟؟ فمتى اتضح الهدف من التحرك وهو: رضى الله ونصرة دينه ثم الجنة زادت الذاتية الدعوية والعطاء فوضوح الهدف من شأنه أن يجعل الداعية لا يهدأ حتى يحقق الهدف.

رابعًا: استشعار الأجر:

وهذه مسألة ضرورية وعامل رئيس في الاندفاع نحو العمل والدعوة الذاتية ولعل هذا هو السر في تبيان أجر بعض العبادات حتى يكون دافعًا للعمل والعطاء فإذا عرف صاحب الذاتية أن كل حركة وسكنة يتحركها المهتدي وكل تسبيحة أو ركعة أو سجدة يفعلها وكل إحسان يجريه الله على يديه فإنما يكون في ميزان أعماله وأن له مثل أجره مصداقًا لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (الدال على الخير كفاعله) فإنه لا شك سيتحرك الحركة الذاتية التي تجلب له هذا الخير الذي يتنامى يومًا بعد يوم.

خامسًا: النظر في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأحوال السلف والدعاة مع العمل للإسلام:

إن المتتبع لسيرة سيد الدعاة - عليه الصلاة والسلام - وأحوال السلف الصالح والدعاة مع العمل للإسلام له دور كبير في إشعال الهمة واكتساب الخبرة وإيقاظ الحماسة في قلب المرء المسلم لاستغلال وقته وجهده للعمل لنصرة هذا الدين.

سادسًا: استشعار أن الجنة محفوفة بالمكاره:

لذا يتطلب منه طاقة وهمة عالية تتناسب مع ذلك المطلب العالي وهو الجنة فإذا عرف المسلم هذا سوف يجعله يتحرك التحرك الذاتي للوصول إلى الهدف قال الله - تعالى - (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم منقرة أعين جزاء بما كانوا يعملون)

سابعًا: حمل هم الدعوة للعمل للإسلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت