فهرس الكتاب
فنهارهم نوم وخمول، وليلهم طرب وطبول، وضجيج وطنين، أو تسكع في الأسواق وأماكن التجمعات، أو سعي وراء الفاتنات المفتونات، أو مطالعة لما تبثه وسائل الإعلام والفضائيات أو شبكات الإنترنت الغازية من صور الإغراء والافتتان، ومشاهد تئد الفضيلة وتبرز الرذيلة، وبث مكثف لما ينقض عرى الأخلاق عروة عروة، فهي برامج مطلقة لا تحكمها رقابة الواعين، ولا ضمائر ذوي الغيرة والدين، فتجتث جذور الإيمان وأصول المكارم ومحاسن الأخلاق إلى جانب لصوصية الفكر والثقافة والتراث والعقيدة والتي هي أكبر من كل ما سبق.
وبهذا الفهم الخاطئ لمعنى الإجازة تتحول العطلة إلى مأدبات شيطانية، وصفحات سوداوية في سجل العام الحافل بالعمل، وإلقاء بالنفس إلى التهلكة، وهو عين ما حذر منه ربنا تعالى بقوله: (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) [النحل:92] .
إن مفهوم الإجازة وإن كان في حقيقته فترة توقفٍ للطلاب عن الذهاب إلى دور الدراسة، وتوقف البعض عن عملهم الوظيفي؛ لكنه لا ينبغي أبدًا أن يحملك على أن تستشعر معه أنك في فترة توقف عن العبودية لله رب العالمين؛ فإنه وصف لا ينفك عنك في صيف ولا شتاء، ولا عطلة ولا دراسة، ولا عمل ولا إجازة؛ بل أنت عبد لله في كل زمان وفي كل مكان، وهذا سر وجودك ووسام عزك، وتاج شرفك، وأكسيد حياتك، وسبيل سعادتك، فينبغي لك ألاَّ تغفل عنه طرفة عين.
إن أمارة المسلم الحق بقاؤه ثابتًا على مبادئه، وفيًا لدينه وعقيدته، معتزًا بثوابته لا يحده عن القيام برسالته زمان دون زمان، ولا يحول بينه وبين عبوديته لربه مكان دون مكان، بل هو حيث حل وارتحل؛ فالعبودية شعاره، وطاعته لله دثاره، محياه لله، ومماته لله، وأعماله كلها لمولاه، شعاره الذي لا يفارقه (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام:162، 163] .
الفراغ نعمة:
لئن كان الإنسان يحصل في الإجازة شيئًا من الفراغ فليعلم أن هذا من نعم الله عليه، فكم ممن يتمنى الوقت فلا يجده لضيق رزق أو كثرة شغل، أو سعى على أهل وعيال، فاشكر الله على هذه النعمة. واعلم أن الوقت مادة الحياة ووعاء العمر، وهو رأس مالك الذي تتاجر فيه مع الله، وتحصل بها سعادة الدنيا والآخرة، وبقدر ما يفوت من هذا الوقت في غير طاعة وقربة لله تعالى، بقدر ما يفوت من سعادة الدارين.
قالت رابعة لسفيان: إنما أنت أيام، كلما مضى يومٌ مضى بعضُك.
إنا لنفرح بالأيام نقطعها.. ... ..وكل يوم مضى يدني من الأجل
يسر المرءَ ما ذهب الليالي.. ... ..وكان ذهابهن له ذهابا
قال ابن الجوزي رحمه الله: ينبغي للمسلم أن يعرف شرف زمانه وقيمة وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة.
وقد روى الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تزولا قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه". فإذا كان الأمر كذلك:
فإياك والتسويف:
واعلم أن سوف من جند إبليس، فإن كنت اليوم في فراغ فربما تنشغل غدًا، وإن كنت في عافية فلربما تمرض غدًا، وإن كنت اليوم حيًّا فما تدري ما يأتي به غد. وكم ممن أمل بعيدًا، وبنى مشيدًا، وسوَّف مديدًا، فاجأه الموت فعاين حسرة الفوت، فنادى: (رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون:99، 100] .
يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:"اغتنم خمسًا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك". [رواه الحاكم والبيهقي بسند حسن] .
وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم:"بادروا بالأعمال سبعًا: هل تنتظرون إلا فقرًا منسيًا، أو غنىً مطغيًا، أو مرضًا مفسدًا، أو هرمًا مفندًا، أو موتًا مجهزًا، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو تنتظرون الساعة فالساعة أدهى وأمر".
يقول ابن القيم رحمه الله:"السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، والأنفاس ثمارها.. فمن كانت أنفاسه في طاعة فثمرة شجرته طيبة، ومن كانت في معصية فثمرة شجرته حنظل، وإنما يكون الجذاذ (الحصاد) يوم المعاد، فعندئذ يتبين حلو الثمار من مرها".
فمن ضيع يومه في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أصله، أو فعل محمود حصله، أو علم اقتبسه، فقد فَقَدَ يومه وظلم نفسه وخان عمره.
يقول ابن مسعود رضي الله عنه:"ما ندمتُ على شيءٍ ندمي على يومٍ غربت شمسه، نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي". نعوذ بالله من تناقص الأجل من غير زيادة العمل..
فإياك أن تفوتك شهور الإجازة سبهللا من غير نفع في دينك ودنياك، وإياك أن تضيعها فتكون المغبون الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم:"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ" [البخاري عن ابن عباس] .
التخطيط لا التخبيط:
إن من أعظم أسباب حفظ الوقت والعمر وحسن استغلاله أن يكون هناك تنظيم وحسن ترتيب وتخطيط مسبق لما تريد فعله، وتوزيع ذلك على ساعات النهار وأوائل الليل، وأعظم ما يرتب لك ذلك: المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها في المسجد في جماعة، ثم توزع أعمالك وأوقات راحتك بينها.
فبعد الفجر قرآن وحفظ الأحاديث، وبعد الظهر غداء وقيلولة، وبعد العصر... وهكذا.
ولابد أن يكون لك تصور لما تريد أن تفعله في هذه الإجازة أو تحصله، وأنا أذكرك هنا ببعض المهم من الأعمال: