الصفحة 391 من 3812

إن الرجل الصادق يكلم الناس بلسان فعله أكثر مما يكلمهم بلسان قوله، فإذا نظروا إلى تصاريفه في مورده ومصدره، وخلوته وجلوته، وكلامه وسكوته، ينتفع بالنظر إليه، فهو نفع اللحظ.. ومن لا يكون حاله وأفعاله هكذا فلفظه أيضا لا ينفع، لأنه يتكلم بهواه، ونورانية القول على قدر نورانية القلب، ونورانية القلب بحسب الاستقامة والقيام بواجب حق العبودية وحقيقتها؛ وقد قيل قديما: من لم ينفعك لحظه لم ينفعك لفظه. قال الشافعي:"من وعظ أخاه بفعله كان هاديا". وكان عبد الواحد بن زيد يقول: (ما بلغ الحسن البصري إلى ما بلغ إلا لكونه إذا أمر الناس بشيء يكون أسبقهم إليه، وإذا نهاهم عن شيء يكون أبعدهم منه) .

والداعية الصادق تستمر هيبته الإيمانية في تعاظم، وتظل في تصاعد ما تصاعدت هيبته لله تعالى وتعاظمت اهتمامات قلبه بدعوته، حتى يغدو منظره قاطعا لغفلة ناظره .

فلكل هذا كان من فقه الدعوة دقة اختيار من يكون قدوة، ولا تساهل في الأمر، ولا نخدع أنفسا فنبرر التساهل تجاه البعض بعدم تسميتهم قدوات، وبوصف مهمتهم بغير وصف التربية، فإن كل من يتعامل مع الدعاة فإنما الداعية قدوة لهم، من حيث إمكانية رؤيته وسماع قوله، ووجود تأثر السمع به، فإن انضاف لذلك إيحاء وصف الداعية بأنه من المربين زاد التأثير ولا شك، وتفتحت القلوب لقبول كلامه ومواعظه، فإن عضدها فعله فنعمت المواعظ منه، وإن لم تترجمها حياته اليومية معهم إلى أفعال فإنها لا تعدوا أن تكون هذرًا منفرًا.

إن الموعظة إن لم تتأدّ في أسلوبها الحي كانت بالباطل أشبه، وإنه لا يغير النفسَ إلا النفسُ التي فيها قوة التحويل والتغيير، كنفوس الأنبياء ومن كان في طريقة روحهم.. وإن هذه الصناعة إنما هي وضع نور البصيرة في الكلام، وليس وضع القياس والحجة، وإن الرجل الزاهد الصحيح الزهد إنما هو حياة تلبسها الحقيقة لتكون به شيئا في الحياة والعمل، لا شيئا في القول والتوهم، فيكون إلهامها فيه كحرارة النار في النار، من واتاها أحسها .

ولعمري، كم من فقيه يقول للناس: هذا حرام، فلا يزيد الحرام إلا ظهورًا وانكشافا ما دام لا ينطق إلا نطق الكتب، ولا يحسن أن يصل بين النفس والشرع ، وقد خلا من القوة التي تجعله روحا تتعلق الأرواح بها، وتضعه بين الناس في موضع يكون به في اعتبارهم كأنه آت من الجنة منذ قريب راجع إليها بعد قريب

وبإيجاز شديد: إن الأسوة وحدها هي علم الحياة، وعلم الدعوة كله هو الأسوة الصادقة

قل هو من عند أنفسكم

كلنا يدرك خطورة المرحلة التي نمر بها وتمر بها الأمة الإسلامية اليوم, وعلى كثرة النوازل والقوارع التي تقرع الأمة وتلم بها وتتسارع عليها, إلا أن كثيرًا من المسلمين ما زالوا يقيمون هذه القواصم وينظرون إليها من جهات متفاوته, فهذا ينظر إليها من منظور اقتصادي, وآخر من منظور سياسي, وثالث من منظور اجتماعي. وقل من ينظر إليها من منظور شرعي .

لقد أغفل الكثير من المسلمين ثوابت أدلت بهذا الواقع الذي تعيشه الأمة اليوم وأدت إليه. أولها الغفلة عن علم الله السابق لكل ما يقع في الكون, ثم الغفلة عن أن النصر من عند الله, ثم الغفلة عن أن النصر لا يطلب إلا من الله, ثم الغفلة عن أن العزة لله جميعا ومن طلبها من سواه ذل, ثم الغفلة عن أن ما يصيب المسلمين إنما هو بسبب ما كسبت أيديهم, والبعد عن دين الله وتطبيقه في حياة المسلمين, ومنها غير ذلك.

1 ـ فالغفلة عن علم الله السابق تجعل المسلم يشعر بفجاءة الأحداث والنوازل, فتبدو له كأنها وليدة ساعتها وهو لا يدري أن الله قدر مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة, كما ورد في الحديث الصحيح عند مسلم. فينصرف ذهنه إلى عالم الـ (لو) , ويفتح على نفسه بابا من أبواب الشيطان, فيقول:"لو كان كذا لكان كذا.."وهو عين ما حذرنا منه الصادق المصدوق صلوات الله وسلامه عليه.

2 ـ وأما الغفلة عن أن النصر من عند الله, فهذه مسألة فرضها على كثير من الخلق الواقع المر الذي يعيشونه والتفاوت الكبير في القدرات العسكرية والقوى المادية، فغفل العامة عن مصدر النصر الأساسي وبابه الأصلي، ولو رجع الناس لكتابهم، كما أمروا في النوازل وغيرها، لوجدوا آيات كثيرة تؤكد هذه الحقيقة, منها ما ذكر بها الله المؤمنين بحالهم يوم الأحزاب وما ابتلاهم . ثم أشار جلت قدرته إلى نصرة المؤمنين يوم الفرقان - يوم بدر- هذه المعركة التي تشتاق لسماعها الآذان, وتختلج القلوب فرحا بنصر المؤمنين على المشركين, أما أن نقول: تتعظ بها النفوس« فهذا أمر بالنسبة لنا لا يعول عليه اليوم, ذلك بأن واقعنا ومنهاج حياتنا ليس فيهما ما يدل على الاتعاظ بها. قال ابن كثير: وهو يوم الفرقان الذي أعز الله فيه الإسلام وأهله, ودفع الشرك وخرب محله وحزبه, وبيض وجه النبي وقبيله, وأخزى الشيطان وجيله, ثم قال: وأنتم أذلة أي قليل عددكم لتعلموا أن النصر إنما هو من عند الله لا بكثرة العدد والعدد. واستشهد ابن كثير كذلك بما رواه الإمام أحمد: أن عياضا الأشعري قال:"شهدت اليرموك وعلينا خمسة أمراء.. وقال عمر - رضي الله عنه: إذا كان قتال فعليكم أبو عبيدة, قال فكتبنا إليه أنه قد جأش إلينا الموت, واستمددناه, فكتب إلينا أنه قد جاءني كتابكم تستمدونني, وإني أدلكم على من هو أعز نصرًا, وأحصن جندًا , الله عز وجل فاستنصروه, فإن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد نُصر في يوم بدر في أقل من عدتكم. فإذا جاءكم كتابي هذا فقاتلوهم ولا تراجعوني, قال: فقاتلناهم فهزمناهم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت