فهرس الكتاب
فانظر إلى واقعنا وكيف غفلنا عن حقيقة أن العزة لله جميعا. وصار من المسلمين من يبتغي العزة عند الكافرين.
3 ـ وأما الغفلة عن أن ما يصيب المسلمين من مصائب هو عدل من الله. ذلك بأن الله جلت قدرته قد شهد لنفسه وشهدت له ملائكته وأولو العلم أنه قائم بالقسط. لذا فإن ما يصيب العبد إنما يكون بسبب إتيان الذنوب كما في التنزيل: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) [الشورى:30] قال جمع من المفسرين: إن المصائب هي الأحوال المكروهة كالأمراض, والصواعق, والبلاء, وغير ذلك من النوازل بسبب السيئات التي يقترفها العباد, فهي عقوبات الذنوب وكفاراتها, وقالوا: ونظير مقدمة الآية قوله تعالى: (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) [النساء: 160] قال ابن كثير: فلما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده ما من خدش عود, ولا اختلاج عرق, ولا عثرة قدم إلا بذنب, وما يعفو الله عنه أكثر.
يا قومنا ألم يمسخ قوم قبلنا قردة وخنازير لما باتوا في لهو وطرب? ألم يغرق الله أقواما ويخسف بآخرين كل ذلك بسبب المعاصي والذنوب، ثم بعد كل هذا نتساءل: لم لا ينصرنا الله على أعدائنا? ومن أين أتانا كل هذا؟.. (قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيئ قدير) [آل عمران: 165] .
مقولات في فقه الموقف
الكتاب الذي أصدره الشيخ سلمان بن فهد العودة بعنوان"مقولات في فقه الموقف"هو تعبير عما أطلقنا عليه جدلية الوعي والحكمة ، يناقش الكتاب رغم صغر حجمه قضايا جديدة وهامة ، ففي المقولة الأولى يشير إلى خطر وأهمية أحكام النوازل الكبرى التي تواجهها الأمة (الفواصل في تاريخ الأمة ) وأن هذه النوازل تحتاج ممن يتعرض لها أن يتسلح بما تقتضيه أصولها وقواعدها من الفقه والاستنباط ، وأنها بحاجة إلى إمعان النظر وإعمال العقل بقدر ما تمثله من خطر ، فالهجوم عليها وإصدار الأحكام فيها من غير أهلها المقدرين لخطرها والمتمرسين بمقاصدها ومآلاتها هو تعبير عن غياب الوعي والحكمة ، وفي هذا يقول الشيخ سلمان:"قضايا النوازل تصبح مادة لحديث كل أحد في أسبابها ومفاصلها ومآلاتها ، ويصدق هنا قول ابن عمر رضي الله عنه لبعض أهل العراق:"ما أسألكم عن الصغيرة وأجرأكم على الكبيرة .
ويشير المؤلف إلى أن قضايا النوازل الكبيرة التي تتصل بمستقبل الأمة وحاضرها تقتضي اعتبار حقوق الأمة الكلية والضرورات التي جاءت الشريعة بحفظها وتحصيلها ، ويسوق المؤلف حديث الصحيحين في حصار الطائف لما قال النبي صلي الله عليه وسلم:"إنا قافلون غدًا إن شاء الله ، فثقل ذلك على الصحابة فقال صلى الله عليه وسلم"اغدوا على القتال فغدوا فأصابهم جراح ، فقال صلي الله عليه وسلم: إنا قافلون غدًا إن شاء الله.. فأعجبهم .. فضحك صلي الله عليه وسلم .
وهنا.. فإن طلب مقام الصبر والابتلاء في ذات الله قد لا يكون مطلوبًا للشريعة إذا تعارض مع مقصود أهم وهو الحفاظ على قوة المسلمين وجهدهم لمواقف أخرى خاصة لو كان مقام الصبر والابتلاء لا يحقق النكاية في العدو بما يكافئ نتائج القتال والجهاد .
الاجتهاد للنوازل:
ينتقل المؤلف إلى المقولة الثانية وهي الاجتهاد للنوازل، حيث يرى أن مسائل النوازل تحتاج إلى إعمال قواعد الشريعة ومقاصدها الكلية وليس مجرد الاستدلال من حوادث فرعية واجتهادات جزئية لعلماء متقدمين في مسائل سابقة مختلفة عن النازلة الجديدة، وهنا فإن مراعاة الأحوال والملابسات التي تجري النوازل في سياقها مسألة هامة للاجتهاد فيها ، فسياق النازلة هو جزء من فهمها والاجتهاد بشأنها والحكم عليها حكمًا صحيحًا .
ويشدد المؤلف على أن الاجتهاد لنوازل الأمة يحتاج لمقام العلم أكثر من حاجته لمقام الإرادة ، فحسن القصد وصلاح النية لا يشفع لمن تعرض للاجتهاد في النوازل الكبرى دون علم"فالتقصير في تحقيق العلم والفقه ونقص قيمة الوعي وسلامة التفكير هو من موارد الفتنة وموجبات الفساد ، ويشير المؤلف إلى أن المجتهد في النوازل لابد له من علم خاص يرفعه عن علم العامة ، ويوضح أن طبيعة موقف النازلة قد يكون من التعقيد والتركيب بحيث تتعدد أنظار المجتهدين بشأنه وهذا لا يوجب منازعة بين أهل العلم والاجتهاد ، ويقول المؤلف:"إن الوجه المحكم في الشريعة الذي لا تنفك عامة الأحداث عنه يجب أن يبقي لحمة أهل الاسلام وعصمة اجتماعهم لكن يبقي لخاصتهم حق النظر في إحكام الموقف وتسديده على وفق قواعد الشريعة التي جاءت بتحقيق المصالح ودرء المفاسد .
ويشير المؤلف إلى قصة صلح الحديبية وكيف أن الشروط التي قبلها النبي صلى الله عليه وسلم بدت لكبار الصحابة مفارقة لمقام الجهاد وعلو الإيمان لكنه كان الخير والحق والصواب وسماه الله فتحًا ، وأشار إلى غزوة مؤتة وكيف كان تحيز خالد بن الوليد عن العدو وانسحابه من المعركة نصرًا وفتحًا .. فمقام الصبر وبذل النفس وحسن القصد لا يحكم وحده الموقف بل هناك قواعد كلية ومصالح ضرورية وعامة تتصل بالأمة والإسلام لابد من إعمالها وأخذها في الحسبان ، فبسط الإسلام وهدايته وسلطانه وتديين الناس لرب العالمين ورفع الظلم عن المظلومين كلها اعتبارات كلية عامة لابد من أخذها في الحسبان .
الاختلاف المعتبر: