الصفحة 393 من 3812

يشرح المؤلف الاختلاف المعتبر بين العلماء وهو تعدد أقوال العلماء في المسائل الخلافية والاجتهادية كل حسب نظره وفقهه ، وليس من قدر الله ولا شرعه أن يتفق علماء الأمة في سائر مواضع الاجتهاد ومن لم يقدر هذا المقام قدره فقد اتخذ العلم بغيًا ، وإذا تحولت الآراء المتعددة إلى ولاءات خاصة وتعبيرات للحزبية والطائفية فإنها تكون تمزيقًا للأمة وردة للجاهلية وانحرافا عن السنة ، وحيث أن تعدد الاجتهادات في المسائل الخلافية هو أمر تفرضه طبيعة هذه المسائل فإن الواجب على المجتهدين والمختلفين التزام أحكام الإسلام في التزام القواعد الأخلاقية للاختلاف بحيث لا يتحول الخلاف إلى محادة ومشاقة تنتهك قواعد الأخوة الدينية التي تنتظم كل من صح له عقد الإسلام كائنًا ماكان خطؤه .

ضبط القصد والولاء:

الولاء والقصد هما من باب الإرادة والهم ولابد لهما من العلم كما أن العلم تلزمه الإرادة والقصد ، والمطلوب هو الضبط والموازنة بين الولاء والقصد والفقه والعمل ، فالحكم على الحدث يحتاج إلى ضبط مادة الولاء مع مادة العلم والفقه وإلا صار الحكم عاطفيًا ، كما أن مقام العلم والنظر مع التقصير عن القيام بما يوجبه هذا العلم من الهم والإرادة والعمل هو تقصير وتأخر عن موافقة الشريعة .

ويوضح المؤلف أن بعض النفوس فيها ميل للشوكة والمنعة والتحريب والنكاية وربما غلب عليها ذلك من باب الإرادة والفعل فلا تنظر ما عداه ، كما أن بعض النفوس فيها ميل للعلم والمعرفة فيجعلها ذلك تقصر عن العمل والحركة مما تريده الشريعة ، ومعلوم أن تجريد النفوس عن ميلها الفطري ليس مقدورًا عليه في الجملة ولا هو مناسب ؛ لذلك جاءت الشريعة تأمر بالموازنة بين ما هو حق لذاته والأمر بدفع ما ليس بحق ، فلا يجب اتخاذ الاختلاف النفسي سببًا للبغي والعدوان كما لا يجب اتخاذ العلم بغيًا بين أهله . ومن الناس من يتخذ ما معه من العلم سببا للبغي ومنهم من يتخذ طبيعة النفس سببًا للظلم والعدوان .

التفاضل في التكليف:

ليست كل التكاليف على مرتبة واحدة من حيث هي خطاب الشارع للمكلفين ، فالله خلق بني آدم وجعلهم درجات فيما آتاهم ، وفي المواقف العامة فإن التكاليف تتفاوت بقدر سعتها وتعددها ، ولا يجب على أهل الدعوة أن يحصروا أنفسهم في تكليف واحد فسعة الموقف العام والنازلة الكبيرة تحتاج لتعدد المكلفين والعاملين وتكاملهم ، وعدم حصر أنفسهم في دائرة واحدة فقط .

ويقول المؤلف:"حين نعتبر معنى تفاضل التكاليف فمن اللازم ألا يفتأت على الشرع بإيجاب مالم يتحقق إيجابه على المسلمين أو نوع منهم ، والأقدار الربانية التي يبتلي بها أهل الإسلام تدفع بما تأذن به الشريعة وليس بما يفرض مناسبًا لدفعها ولو كان فيه شئ من التخطي لحدود الشرع والعقل ."

والاستطاعة شرط لوجوب التكليف في حق المكلف ، وغير المقدور عليه ليس من موارد التكليف الشرعي .

القدر الشرعي والكوني

وأشار المؤلف إلى نقطة هامة وهي العلاقة بين القدر الشرعي والكوني وأن الأحكام الشرعية لا تجرد عن اعتبار السنن القدرية الكونية، بيد أنه لا تلازم بين الأمرين كما هو الحال بين الحق والنصر ، فالكثير يتصور أن هذا حق إذن لا بد من النصر لكن النصر قدر الله وقضاؤه لا تدخل فيه اجتهاداتنا وتقديراتنا الذاتية ، لذا لا يجب أن نعطي للناس نبوءات بناء على اجتهاداتنا لأن أمر المستقبل لله وحده ، فالرسل لم يتجاوزوا برسم الوعد الذي يختصر الخيارات ويجعل الإنسان انتظاريًا خلاصيًا .

كتاب"مقولات في فقه الموقف"رغم صغره لكن يعكس ما يمكن أن نطلق عليه أسس في قواعد التفكير الشرعي والعلمي الصحيح ، ولا تزال مشكلة الحركة الإسلامية الأساسية هي غياب قواعد المنهج في التفكير والنظر والعمل ، وهو تعبير عما أطلقنا عليه جدلية الوعي والحكمة ، والتي تعني الموازنة والاعتدال والضبط بين أطراف المسائل وردها إلى وسطها، فالولاء بحاجة لعلم والعلم بحاجة لإرادة ، والاجتهاد لا يوجب النزاع والتعدي على الأخوة الدينية ، والاختلاف النفسي لا يقود إلي البغي ، والنظر في القضايا النازلة يحتاج إلى مراعاة سياقاتها والتأمل العميق في شأنها ،كلها قضايا هي تعبير عن علاقة جدلية بين الوعي أو المعرفة الحذرة وبين الإرادة والعمل والهم المنضبط بالشرع والحق

اليهود والدعوة والدعاة

اليهود هم أعداء الدعوات، بل قل قادة العداء، ومثيرو البلاء، وأعداء الأنبياء، وهم أهل الفتنة والخسة ، وقبل الكلام عنهم وبيان دورهم في مواجهة الدعوة الإسلامية لابد وأن نبين عدة أمور:

أولا: اليهود الذين لم يؤمنوا بالإسلام بعد مبعث محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كلهم كفار إلى النار خالدين مخلدين فيها إن ماتوا على كفرهم وعنادهم كما قال -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"ما من يهودي ولا نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار"، وقال كذلك:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَو أَنَّ مُوسَى ابن عمران كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلا أَنْ يَتَّبِعَنِي".

وتعجب كل العجب ممن يدعى أنه مسلم ثم يقول: إن النصارى واليهود إن آمنوا بدينهم دخلوا الجنة وإن لم يدخلوا الإسلام!!!!. قال الإمام محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - في نواقض الإسلام: ( من لم يكفر الكفار أو شك في كفرهم أو صحح مذهبهم كفر إجماعا ) . كمن قال إن اليهود أو النصارى ليسوا كفارًا أو ما عندهم من التوراة أو الإنجيل مثل القرآن .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت