فهرس الكتاب
قال الشيخ: نريد أن ننصح من في المرقص ، تعجب صاحب المرقص وأخذ يمعن النظر فيهم ورفض السماح لهم فأخذوا يساومونه ليأذن لهم حتى دفعوا له مبلغ من المال يعادل دخله اليومي ، فوافق صاحب المرقص وطلب منهم أن يحضروا في الغد عند بدأ العرض اليومي!
قال الشاب: فلما كان الغد كنت موجودا في المرقص ، فبدأ الرقص من أحدى الفتيات فلما انتهت ،أسدل الستار ، ثم فتح فإذا بشيخ وقور يجلس على كرسي ، فبدأ بالبسملة والحمد لله والثناء عليه وصلى على الرسول عليه الصلاة والسلام ثم بدأ في وعظ الناس الذين أخذتهم الدهشة ، وتمالكهم العجب ، وظنوا أن ما يرونه هو فقرة فكاهية ، فلما عرفوا أنهم أمام شيخ يعظهم ، فأخذوا يسخرون منه ويرفعون أصواتهم بالضحك ، والاستهزاء وهو لا يبالي بهم ، واستمر في نصحه ووعظه حتى قام أحد الحضور وأسكت الناس وطلب منهم الإنصات لما يريد قوله ذلك الشيخ فبدأ السكون والهدوء يخيم على أنحاء المرقص ، حتى أصبحنا لا نسمع إلا صوت الشيخ ، فقال كلامًا ما سمعناه من قبل ، تلى علينا آيات من القرآن الكريم ، وأحاديث نبوية وقصص لتوبة بعض الصالحين ، كان مما قاله:
"يا أيها الناس إنكم عشتم طويلا وعصيتم الله كثيرا ، فأين ذهبت لذة المعصية؟ لقد ذهبت اللذة وبقيت الصحائف سوداء ، ستسألون عنها يوم القيامة ، وسيأتي يوم يهلك فيه كل شيء إلا الله سبحانه وتعالى ، يا أيها الناس هل نظرتم إلى أعمالكم وإلى أين ستؤدّي بكم؟ إنكم لا تتحملون النار في الدنيا وهي جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم ، فبادروا بالتوبة قبل فوات الأوان".
فبكى الناس جميعًا ، وخرج الشيخ من المرقص وخرج الجميع وراءه ، وكانت توبتهم وتوبتي أنا أيضًا على يد ذلك الشيخ ، حتى صاحب المرقص ، تاب وندم على ما كان منه.
حدثنا أم قال مراسلنا
اعتدنا أن نشغل أوقاتنا بسماع العلم وتدارسه وقراءته ـ أو هكذا يفترض أن نكون . ولكن الأحداث نقلتنا إلى كلام آخر ، فبدلا من أن يتكرر على مسامعنا: حدثنا ، وأخبرنا ، وقال رحمه الله تعالى، تعفنت أسماعنا من (قال مراسلنا ) وتحلقنا حول القنوات أو المذياع أو أوراق الصحف نقلبها .
إن الأحداث تفرض علينا أن نتفاعل معها ، وأن نعيش أجواءها ، لكن هل كل الوقت الذي نقضيه في متابعة الأخبار يتلاءم مع النتاج المتحقق من ذلك تفاعلا مع الحدث ، وارتقاء في الوعي ، وإنتاجا؟ أم هو مدعاة لمزيد من القلق وإضاعة الوقت فيما لا يجدي ولا طائل من ورائه؟
إن تتابع الأحداث يفرض علينا أن نكون أكثر حرصا على أوقاتنا ، وأكثر اعتناء بها حتى نكون منتجين فالتحديات ضخمة ، ولن ينتج إلا الجادون .
فلنعط متابعة الأحداث ما تستحقه من اهتمام ولنحافظ على أعمارنا وزهرة أوقاتنا .
ـــــــــــــــــ
الشيخ: محمد بن عبد الله الدويش
من مزالق الدعاة.. الهوس الغربي
الدعوة إلى الله أشرف مهمة يقوم بها إنسان، لذلك اصطفى الله تعالى لها أكرم خلقه فجعلهم رسله إلى الناس، والداعية المسلم داعٍ إلى الله تعالى: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة) ، وهو نائب عن الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه المهمة؛ لذلك كان من الطبيعي أن تكون دعوته على بصيرة، أي عن علم بما يقول الله تعالى، وما يقوله رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان من الطبيعي أن يكون ملتزمًا في دعوته أشد الالتزام بما أوحى الله إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، لا يحيد عنه قيْد أنملة، وإلاّ لم تكن دعوته إلى الله، بل كانت إلى ما يراه هو وما يهواه (يا أيها النبي بلغ ما أُنْزِل إليكَ من ربك وإنْ لم تفعلْ فما بلغتَ رسالته والله يعصمك من الناس) .
لكن ما أصعب أن يلتزم الداعية ـ حتى لو كان مخلصًا ـ بمثل هذا الالتزام، في بيئة تكون فيها شرائع الإسلام التي يدعو إليها غريبة غير مألوفة! ما أسهل أن ينزلق الداعية فيحيد عما أوحى الله، وهو يحسب أنه يدعو إلى الله! لقد كان سبب العزلة التي سقط فيها بعض الناس أنهم في سبيل جعل الحكم الإسلامي مقبولًا للعقلية الغربية أو المستغربة، بدؤوا يضيقون ذرعًا بكل ما لا تقبله هذه العقلية من تعاليم هذا الدين، وإن كان مما جاءت به النصوص الصريحة، وإن كان محلَّ إجماع بين علماء المسلمين، تراهم لذلك يهرعون إلى تلقُّف كل رأي يخلِّصهم من هذه التعاليم ويسمونه اجتهادًا.
هذا الانحراف أدى عند بعض الناس إلى انجراف آخر أخطر منه، فقد بدا أصحاب هذا الفهم والفكر في قبول بعض التقاليد الغربية السياسية ـ وبدؤوا يقبلون معها ما يرونه لازمًا لها من الأفكار والمعتقدات الغربية، ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنهم في سبيل إيجاد مكان للتعددية السياسية في الدولة الإسلامية صاروا يذمون كل من يظهر استمساكًا شديدًا بما يعتقد أنه الحق ويقولون لا أحد غير الله تعالى ـ الذي يسميه بعضهم بالمطلق ـ يمتلك الحقيقة. فكأنهم يقولون إنك لكي تعترف بالآخر لا بد أن تعتقد أنه قد يكون على صواب وتكون أنت على خطأ.
ونقول لهؤلاء الإخوة: إن هذا المنطق يمكن أن يقال في مجال الأمور الدينية الاجتهادية، والأمور الدنيوية المبنية على الرأي، أما إذا قام الدليل القاطع على أمر ما أنه الحق، فلا مجال للتشكيك فيه سواء كان من أمور الدين أو من أمور الدنيا. وإلاّ كان معنى هذا القول الاعتقاد بنسبية الحقيقة، والقول بنسبية الحقيقة ـ في غير مجال العلوم الطبيعية ـ هو من أمراض الحضارة الغربية الخطيرة التي تعدُّ كثيرٌ من مشكلاتها الاجتماعية أعراضًا لها.