الصفحة 550 من 3812

دمعت عيناه وهو في حضن أبيه ولم يرد أبدا أن يزيد أحاسيس أبيه بما لا يطيقه، حاول أن يخلع عنه ذراعي أبيه بكل رفق.. بينما بقيت يده اليسري معلقة بذراع والده وهو ينحني علي جسد أمه المتهالك من كل ما تعاني منه أراد أن يقبل يديها وأن يلمس صدرها حيث رضع حنانها وقلبها الذي تحتفظ في داخله بالحب كل الحب له ولإخوته.. إنه يعرف أن صورته مطبوعة فيه..

فتحت أمه عينيها تودعه بهما وظهر إصبع يدها سبابتها اليمني ترفعه وتتحرك شفتاها بالشهادة بينما دمع عينيها يؤكد أنها قد استودعت ولدها عند رب كريم..

لم يبق أمامه إلا أخوه الصغير، مازال نائما هناك في صورة ملاك..

هذه هي اللحظة القاسية التي لم يتصور أبدا أنه يستطيع أن يعبر بها أو يخوضها، ولكنه وبكل الحب انحني عليه لمس بأصابعه وجهه الجميل وراح يهمس في أذنه وكأنه يسمعه: والله لولا أحببتك ما تركتك والله لولا أعلم أن الأرض لا تصير إليك إلا بهذه الشهادة ما فعلت، والله إني قد أحببتك أكثر من نفسي ومن أجل هذا فقد قدمت نفسي إليك راضيا مختارا سعيدا قرير العين..

وبدأ يتحرك بعيدا عنه ناظرا إليه..

الدمع في عينيه ينهمر يغطي خديه وهو يردد بصوت قد تحشرج:

والله لولا أحببتك ما تركتك..

والله لولا أحببتك ما تركتك..

والله لولا أحببتك ما تركتك..

ثم خرج جاريا..

عاد إلي حيث كان ينام..

ربط الحزام حول خصره..

والله ما أحس بلحم بطنه وهو يربطه بقوة، والله ما أحس وهو يفتح الباب برفق..

والله ما أحس وهو يمضي في الطريق مسرعا إلي حيث الهدف..

لا.. ولا أحس بطول المسافة التي قطعها..

لا.. ولا أنه ترك أرضه داخلا إلي أرض العدو..

ولا العدو رآه..

وكأنه بالفعل قد تحول إلي ملاك من ملائكة الرحمن، فلا يراه أحد..

ولا يحس به أحد!..

كانت كلمات القرآن تغطي كل نفسه وعقله وأحاسيسه وهو يضغط بدوره علي الزناد..

قد أحس شيئا وهو ينطلق أشلاء هكذا تطير في الهواء..

وعندما تناثر دمه علي أرض المكان رأي بعينيه أن الدم يكتب علي الأرض: لا إله إلا الله..

كانت روحه ترفرف علي المكان تطير فرحة بكل ما تلقاه..

ومرة أخري تبصر عيناه.. فنظره وقتها حديد.. يري من قريب ويري من بعيد..

والنور يملأ المكان..

النور يخرج خارج المكان..

النور يضئ طريقا طويلا يمضي إلي بعيد..

وإذا به وهو هناك في مكان فوق هذا الطريق..

يري أخاه الصغير يمضي يجري يهرول فرحا إلي حيث ما يريد!..

الرحيل

باتت أختي شاحبة الوجه نحيلة الجسم .. ولكنها كعادتها تقرأ القرآن الكريم .. تبحث عنها تجدها في مصلاها .. راكعة ساجدة رافعة يديها إلى السماء .. هكذا في الصباح وفي المساء وفي جوف الليل لا تفتر ولا تمل ..

أما أنا فكنت أحرص على قراءة المجلات الفنية والكتب ذات الطابع القصصي .. أشاهد الفيديو بكثرة لدرجة أنني عرفت به .. ومن أكثر من شئ عرف به .. لا أؤدي واجباتي كاملة ولست منضبطة في صلواتي ..

بعد أن أغلقت جهاز الفيديو وقد شاهدت أفلامًا متنوعة لمدة ثلاث ساعات متواصلة .. هاهو الأذان يرتفع في المسجد المجاور ..

عدت إلى فراشي ..

تناديني من مصلاها .. نعم ما ذا تريدين يا نورة ؟ .

قالت لي بنبرة حادة لا تنامي قبل أن تصلي الفجر ..

أوه .. بقى ساعة على صلاة الفجر وما سمعتيه كان الأذان الأول ..

بنبرتها الحنونة - هكذا هي حتى قبل أن يصيبها المرض الخبيث وتسقط طريحة الفراش .. نادتني .. تعالي يا هناء بجانبي .. لا أستطيع إطلاقًا رد طلبها .. تشعر بصفائها وصدقها لا شك طائعًا ستلبي ..

ـ ماذا تريدين ؟..

ـ اجلسي

ـ ها قد جلست ماذا لديك ؟

.. بصوت عذب رخيم:"كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة".

سكتت برهة .. ثم سألتني .. ألم تؤمني بالموت ؟

ـ بلى مؤمنة ..

ـ ألم تؤمني بأنك ستحاسبين على كل صغيرة وكبيرة ؟.

ـ بلى ولكن الله غفور رحيم .. والعمر طويل يا أختي .. ألا تخافين من الموت وبغتته ؟. انظري هند أصغر منك وتوفيت في حادث سيارة .. وفلانة .. وفلانة .. الموت لا يعرف العمر .. وليس مقياسًا له ..

ـ أجبتها بصوت الخائف حيث مصلاها المظلم .. أنني أخاف من الظلام وأخفتيني من الموت .. كيف أنام الآن ؟.

ـ كنت أظن أنك وافقت للسفر معنا هذه الإجازة ..

فجأة .. تحشرج صوتها واهتز قلبي

لعلي هذه السنة أسافر سفرًا بعيدًا .. إلى مكان آخر .. ربما يا هناء .. الأعمار بيد الله .. وانفجرت بالبكاء ..

.. .تفكرت في مرضها الخبيث وأن الأطباء أخبروا أبي سرًا أن المرض لن يمهلها طويلًا .. ولكن من أخبرها بذلك ؟ .. أم أنها تتوقع ..

ـ مالك تفكرين ؟ جاءني صوتها القوي هذه المرة .. هل تعتقدين أني أقول هذا لأنني مريضة ؟.. كلا .. ربما أكون أطول عمرًا من الأصحاء .. وأنت إلى متى ستعيشين .. ربما عشرين سنة .. ربما أربعون سنة ثم ماذا ؟ .. لمعت يدها في الظلام وهزتها بقوة .. لا فرق بيننا كلنا سنرحل وسنغادر هذه الدنيا إما إلى جنة وإما إلى نار .. ألم تسمعي قول الله:"فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز"

تصبحين على خير .. هرولت مسرعة وصوتها يطرق أذني .. هداك الله .. لا تنسي الصلاة ..

الثامنة صباحًا ..

أسمع طرقًا على الباب .. هذا ليس موعد استيقاظي ..

بكاء .. وأصوات .. ماذا جرى ..

لقد تردت حالة نورة .. وذهب بها أبي إلى المستشفى ..

إنا لله وإنا إليه راجعون ..

لا سفر هذه السنة .. مكتوب علي هذه السنة البقاء في بيتنا .. بعد انتظار طويل ..

عند الساعة الواحدة ظهرًا .. هاتفنا أبي من المستشفى .. تستطيعون زيارتها هيا بسرعة.

أخبرتني أمي أن حديث أبي غير مطمئن وأن صوته متغير ..

عباءتي في يدي ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت