الصفحة 551 من 3812

أين السائق .. ركبنا على عجل .. أين الطريق الذي كنت أذهب مع السائق لأتمشى مع السائق فيه ؟ يبدوا قصيرًا .. ماله اليوم طويل .. وطويل جداُ .. أين ذلك الزحام المحبب إلى نفسي كي ألتفت يمنة ويسرة ؟.. الزحام أصبح قاتلًا مملًا ..

أمي بجواري تدعوا لها .. إنها بنت صالحة ومطيعة .. لم أرها تضيع وقتها أبدًا ..

دلفنا من الباب الخارجي للمستشفى .. هذا مريض يتأوه .. وهذا مصاب بحادث سيارة ، وثالث عيناه غائرتان .. لاتدري هل هم من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة !! منظر عجيب لم أره من قبل ..

صعدنا درجات السلم بسرعة ..

إنها في غرفة العناية المركزة .. وسآخذكم إليها .. ثم واصلت الممرضة إنها بنت طيبة وطمأنت أمي أنها في تحسن بعد الغيبوبة التي حصلت لها .. ممنوع الدخول لأكثر من شخص واحد ..

هذه هي غرفة العناية المركزة ..

وسط زحام الأطباء ، وعبر النافذة الصغيرة التي في باب الغرفة أرى عيني أختي نورة تنظر إلى وأمي واقفة بجوارها .. بعد دقيقتين خرجت أمي التي لم تستطيع إخفاء دموعها ..

سمحوا لي بالدخول والسلام عليها بشرط ألا أتحدث معها كثيرًا .. دقيقتين كافية لك ..

ـ كيف حالك يانورة .. لقد كنت بخير مساء البارحة .. ما ذا جرى لك ؟

ـ أجابتني بعد أن ضغطت على يدي .. وأنا الآن والله الحمد بخير ..

ـ الحمد لله .. ولكن يدك باردة ..

كنت جالسة على حافة السرير ولا مست ساقها .. أبعدته عني ..

ـ آسفة إذا ضايقتك ..

ـ كلا ولكني تفكرت في قوله تعالى:"والتفت الساق بالساق * إلى ربك يومئذٍ المساق"، عليك يا هناء بالدعاء لي فربما أستقبل عن قريب أول أيام الآخرة .. سفري بعيد وزادي قليل ..

سقطت دمعة من عيني بعد أن سمعت ما قالت وبكيت .. لم أع أين أنا .. استمرت عيناي في البكاء .. أصبح أبي خائفًا علي أكثر من نورة ..لم يتعودوا هذا البكاء والانطواء في غرفتي ..

مع غروب شمس ذلك اليوم الحزين .. ساد صمت طويل في بيتنا .. دخلت علي ابنة خالتي .. ابنة عمتي .. أحداث سريعة .. كثر القادمون .. اختلطت الأصوات .. شيء واحد عرفته .. نورة ماتت.. لم أعد أميز من جاء .. ولا أعرف ماذا قالوا ..

يا الله .. أين أنا وماذا يجري ؟ عجزت عن البكاء ..

فيما بعد أخبروني أن أبي أخذ بيدي لوداع أختي الوداع الأخير .. وأني قبلتها .. لم أعد أتذكر إلا شيئًا واحدًا .. حين نظرت إليها مسجاة على فراش الموت .. تذكر قولها"والتفت الساق بالساق"عرفت الحقيقة"إلى ربك يومئذٍ المساق".

لم أعرف أنني عدت إلى مصلاها إلا تلك الليلة .. وحينها تذكرت من قاسمتني رحم أمي فنحن توأمين .. تذكرت من شاركتني همومي .. تذكرت من نفست عن كربتي .. من دعت لي بالهداية .. من ذرفت دموعها ليالي طويلة وهي تحدثني عن الموت والحساب .. والله المستعان ..

هذه أول ليلة لها في قبرها .. اللهم ارحمها ونور لها قبرها ..

هذا هو مصحفها .. وهذه سجادتها .. وهذا ..وهذا ..

بل هذا هو الفستان الوردي الذي قالت لي سأخبئه لزواجي .. تذكرتها وبكيت على أيامي الضائعة .. بكيت بكاءً متواصلًا .. ودعوت الله أن يرحمني ويتوب عليّ ويعفو عني .. دعوت الله أن يثبتها في قبرها كما كانت تحب أن تدعو ..

فجأة سألت نفسي ماذا لو كانت الميتة أنا ؟ ما مصيري ؟

لم أبحث عن الإجابة من الخوف الذي أصابني .. بكيت بحرقة ..

الله أكبر ... الله أكبر .. ها هو أذان الفجر قد ارتفع .. لكن ما أعذبه هذه المرة ..

أحسست بطمأنينة وراحة وأنا أردد ما يقوله المؤذن .. لففت ردائي وقمت واقفة أصلي صلاة الفجر .. صليت صلاة مودع .. كما صلتها أختي من قبل وكانت آخر صلاة لها.. إذا أصبحت لا أنتظر المساء .. وإذا أمسيت لا أنتظر الصباح

حسن الخاتمة وسوء الخاتمة

هذه حكاية ذكرها أحد العاملين في مراقبة الطرق السريعة ، كانت له ذكرى ، وأنا أسطرها هنا عساها تكون لنا عبرة ، فأعظم القصص ما كان حقا وواقعيا ، وما كان من ورائه منفعة لقارئه ، فاقرأ أخي الحبيب وتذكر قول الله تعالى: { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} ، وانظر أي الخاتمتين تحب أن تكون خاتمتك فاعمل لها ، واجهد لتكون من أهلها ، واعلم أن الأعمال بالخواتيم .. رزقني الله وإياك حسن الخاتمة .

قال صاحبنا: فجأة سمعنا صوت ارتطام قوي فإذا سيارة مصطدمة بسيارة أخرى، حادث لا يكاد يوصف ، شخصان في السيارة في حالة خطيرة أخرجناهما و وضعناهما ممدين ، أسرعنا لإخراج صاحب السيارة الثانية فوجدناه قد فارق الحياة .. عدنا للشخصين فإذا هم في حالة الاحتضار ، هب زميلي يلقنهم الشهادة ولكن ألسنتهم ارتفعت بالغناء .. أرهبني الموقف . وكان زميلي على عكسي يعرف أحوال الموت أخذ يعيد عليهما الشهادة ، وهما مستمران في الغناء لا فائدة .. بدأ صوت الغناء يخفت ، شيئا فشيئا سكت الأول .. برهة ، وتبعه الثاني .. فقدا الحياة ، لا حراك .. لم أر في حياتي موقفا كهذا.

حملناهما في السيارة .. قال زميلي: إن الإنسان يختم له إما بخير أو شر بحسب ظاهره وباطنه ، قال فخفت من الموت واتعظت من الحادثة ، وصليت ذلك اليوم صلاة خاشعة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت