فهرس الكتاب
قال صاحبنا: بعد مدة حصل حادث عجيب!! شخص يسير بسيارته سيرًا عاديًا ، تعطلت سيارته في أحد الأنفاق المؤدية إلى المدينة ، فترجل من سيارته لإصلاح العطل في أحد العجلات ، جاءت سيارة مسرعة وارتطمت به من الخلف ، سقط مصابًا إصابات بالغة ، فحملناه معنا في السيارة وقمنا بالاتصال بالمستشفى لاستقباله ، شاب في مقتبل العمر متدين ـ يبدو ذلك من مظهره ـ عندما حملناه سمعناه يهمهم فلم نميز ما يقول ، ولكن عندما وضعناه في السيارة سمعنا صوتا مميزًا .. إنه يقرأ القرآن و بصوت ندي .. سبحان الله لا تقول أبدا إن هذا مصاب قد غطى الدم ثيابه و تكسرت عظامه ، بل هو على ما يبدو على مشارف الموت .. استمر يقرأ بصوت جميل يرتل القرآن.
فجأة .. سكت ، التفتُّ إلى الخلف فإذا به رافع إصبع السبابة يتشهد ، ثم انحنى رأسه .. قفزت إلى الخلف .. لمست يده ، قلبه ، أنفاسه ، لا شيء .. فارق الحياة .. نظرت إليه طويلًا .. سقطت دمعة من عيني .. أخبرت زميلي أنه قد مات .. انطلق زميلي في البكاء ، أما أنا فقد شهقت شهقة وأصبحت دموعي لا تقف.. أصبح منظرنا داخل السيارة مؤثرا .
وصلنا إلى المستشفى .. أخبرنا كل من قابلنا عن قصة الشاب , الكثيرون تأثروا ذرفت دموعهم . أحدهم لما سمع قصته ذهب وقبل جبينه .. الجميع أصروا على الجلوس حتى يصلى عليه .
اتصل أحد الموظفين بمنزل المتوفى ، كان المتحدث أخاه ، قال عنه: أنه يذهب كل يوم اثنين لزيارة جدته الوحيدة في القرية ، كان يتفقد الأرامل والأيتام والمساكين .. كانت تلك القرية تعرفه فهو يحضر لهم الكتب و الأشرطة ، وكان يذهب و سيارته مملوءة بالأرز و السكر لتوزيعها على المحتاجين ، حتى حلوى الأطفال كان لا ينساها ، وكان يرد على من يثنيه عن السفر و يذكر له طول الطريق كان يرد عليه بقوله: إنني أستفيد من طول الطريق بحفظ القرآن و مراجعته وسماع الأشرطة النافعة ، وإنني أحتسب إلى الله كل خطوة أخطوها .
يقول ذلك العامل في مراقبة الطريق: كنت أعيش مرحلة متلاطمة الأمواج ، تتقاذفني الحيرة في كل اتجاه بكثرة فراغي وقلة معارفي ، وكنت بعيدًا عن الله ، فلما صلينا على الشاب ودفناه واستقبل أول أيام الآخرة استقبلت أول أيام الدنيا .. تبت إلى الله عسى أن يعفو عما سلف ، وأن يثبتني على طاعته، وأن يختم لي بخير .
الزمن القادم لعبد الملك القاسم (بتصرف)
رسالة إلى ابن عاق
يا بني .. هذه رسالة مكلومة من أمك المسكينة، كتبتها على استحياء بعد تردد وطول انتظار، أمسكت بالقلم مرات فحجزته الدمعة، وأوقفت الدمعة مرات فجرى أنين القلب .
يا بني .. بعد هذا العمر الطويل أراك رجلًا سويًا مكتمل العقل ومتزن العاطفة من حقي عليك أن تقرأ هذه الورقة وإن شئت بعد فمزقها كما مزقت أطراف قلبي من قبل .
يا بني .. منذ خمسة وعشرين عامًا كان يومًا مشرقًا في حياتي ، عندما أخبرتني الطبيبة أنني حامل، والأمهات يا بني يعرفن معنى هذه الكلمة جيدًا ، فهي مزيج من الفرح والسرور وبداية معاناة مع التغيرات النفسية والجسمية، وبعد هذه البشرى حملتك تسعة أشهر في بطني ، فرحة جذلى ، أقوم بصعوبة وأنام بصعوبة وآكل بصعوبة وأتنفس بصعوبة ولكن كل ذلك لم ينقص محبتي لك وفرحي بك، بل نمت محبتك مع الأيام وترعرع الشوق إليك .
حملتك يا بني وهنًا على وهن وألمًا على ألم ، أفرح بحركتك وأسر بزيادة وزنك وهي حمل علي ثقيل ، إنها معاناة طويلة أتى بعدها فجر تلك الليلة التي لم أنم فيها ولم يغمض لي فيها جفن، ونالني من الألم والشدة والرهبة والخوف ما لا يصفه القلم ولا يتحدث عنه اللسان، ورأيت بعيني الموت مرات عدة حتى خرجت إلى الدنيا فامتزجت دموع صراخك بدموع فرحي وأزالت كل آلامي وجراحي.
يا بني .. مرت سنوات من عمرك وأنا أحملك في قلبي وأغسلك بيدي، جعلت حجري لك فراشا ، وكان صدري لك غذاءً، أسهرت ليلي لتنام واتعبت نهاري لتسعد ، أمنيتي كل يوم أن أرى ابتسامتك، وسروري في كل لحظة أن تطلب مني شيئًا فأحقق لك رغبتك، فتلك هي منتهى سعادتي .
ومرت الليالي والأيام وأنا على تلك الحال ، خادمة لم تقصر ومرضعة لم تتوقف وعاملة لم تفتر، حتى اشتد عودك واستقام شبابك وبدت عليك معالم الرجولة، فإذا بي أجري يمينًا وشمالًا لأبحث لك عن المرأة التي طلبت ، وأتى موعد زفافك فتقطع قلبي وجرت مدامعي، فرحة بحياتك الجديدة وحزنًا على فراقك ، ومرت الأيام ثقيلة فإذا بك لست ابني الذي أعرفك لقد أنكرتني وتناسيت حقي . تمر الأيام لا أراك ولا أسمع صوتك وتجاهلت من قامت بك خير قيام .
يا بني لا أطلب إلا القليل، اجعلني في منزلة أحد أصدقائك ، اجعلني يا بني إحدى محطات حياتك الشهرية لأراك فيها ولو لدقائق .
يا بني .. احدودب ظهري ، وارتعشت أطرافي ، وأنهكتني الأمراض ، وزارتني الأسقام ، لا أقوم إلا بصعوبة ، ولا أجلس إلا بمشقة ، ولا يزال قلبي ينبض بمحبتك.
لو أكرمك شخص يوما لأثنيت على حسن صنيعه وجميل إحسانه ، وأمك أحسنت إليك إحسانا لا تراه ومعروفا لا تجازيه ، لقد خدمتك وقامت بأمرك سنوات وسنوات ، فأين الجزاء والوفاء ؟ ألهذا الحد بلغت بك القسوة وأخذتك الأيام . وهل يا بني جزاء الإحسان إلا الإحسان؟.
يا بني .. كلما علمت أنك سعيد في حياتك زاد فرحي وسروري ، ولكني أتعجب وأنت صنيع يدي ، أي ذنب جنيته حتى أصبحتُ عدوة لك لا تطيق رؤيتي وتتثاقل زيارتي ، هل أخطأت يومًا في معاملتك أو قصرت لحظة في خدمتك ، اجعلني من سائر خدمك الذين تعطيهم أجورهم، وامنحني جزءًا من رحمتك، ومُنَّ علي ببعض أجري وأحسن فإن الله يحب المحسنين .