الصفحة 661 من 3812

على أن هذا المأزق الصعب لم يقطع اليتيمين عن الدراسة ، فقد حزم بدر الدين عزمه على تعليمهما مهما لقي في ذلك من العنت ، وقد ركز اهتمامه بوجه خاص على محمد ، لما كان يبدو عليه من ملامح الذكاء والاجتهاد ، وبخاصة بعد أن رأى تفوقه على سائر رفاقه ، وهكذا أتيح له أن يتنقل من صف إلى آخر من المدرسة الابتدائية ، حتى فرج الله كربة الحرب ، وعين بدر الدين معلمًا في العام 1920 ، فكان في راتبه متسع لتوفير حياة أيسر لهم جميعًا .. وكان المأمول أن يتابع محمد دراسته بعد إنهائه المرحلة الابتدائية في القسم الإعدادي ، بيد أنه لم ينسجم مع ذلك الجو الجديد ، وظل متطلعًا إلى إيثار التعليم الشرعي في حلقات الشيوخ ، فاستجاب له أخوه ، وألحقه بدكان خياطة فكان يعمل فيها نهاره ، فإذا جاء المساء قصد إلى دروس العلماء في المساجد ، واستمر على ذلك حتى افتتحت مدرسة (دار العلوم الشرعية) فما لبث أن هجر الخياطة إليها ، مع استمراره على حضور تلك الحلقات .

وكان رحمه الله يعتبر مرحلته في (دار العلوم الشرعية) أسعد أيام حياته ، إذ وجد فيها وفي دروس المساجد ري ظمأه إلى العلم . ويحدث رحمه الله عن شيوخه في هذه المرحلة فيذكر منهم خاله العلامة السلفي الشيخ سعيد الجابي ، الذي بتوجيهه أخذ طريقه إلى العلم الديني ، وإلى حفظ كتاب الله ، ثم شيخ الشافعية بحماة محمد توفيق الصباغ ، وكان مدير الدار، ويصفه بالحنو على طلابه والاهتمام الكبير في تعليمهم ، ثم العلامة مفتي حماة الشيخ محمد سعيد النعساني ، الذي يقول عنه إنه ذو الباع الطويل في العلوم والمعارف ، والحرص الشديد على السمو بهمة طلابه إلى معالي الأمور، ويخص بالذكر والد زوجه العالم الورع الزاهد الشيخ أحمد المراد ، الذي أحسن تربيته ، وتعليمه وزوجه ابنته قبل أن يكون له مورد رسمي

وفي العام 1347 هـ أنهى دراسته في دار العلوم الشرعية بحماة ، وكان عليه أن يرحل لإشباع رغبته العلمية ، فقصد إلى حلب حيث التحق بمدرسة خسرو الشرعية ، وكانت حتى ذلك العهد ـ كما يقول ـ أرقى المدارس الشرعية في بلاد الشام ، إذ كان مدرسوها من قمم العلم في الشهباء ، وكانت مناهجها على غاية من القوة والسعة ، وتعتبر هذه المرحلة أهم ما مر به من المراحل الدراسية حتى اليوم ، وفيها بدأ نبوغه حتى ليصفه أحد شيوخه بأنه (بحر علم لا تنزحه الدلاء) .

وعلى دأبه في الطلب لم يقصر دراسته على الخسروية وحدها ، بل أخذ نفسه بملازمة حلقات العلماء وبخاصة عالم الشهباء الشيخ نجيب السراج ، وضاعف ذلك إقباله على المطالعة الحرة لإرواء عطشه الدائم إلى مناهل العلم .

ومن هنا جاء قوله رحمه الله: (إن المناهج الرسمية تعني بتكوين الشخصية العلمية أما التضلع من العلم فطريقه المطالعة الواسعة) .

ويتحدث عن شيوخه في هذه المرحلة فيذكر منهم الشيخ أحمد الزرقاء الذي ـ يقول ـ إنه لم يجلس إلى أفقه منه حتى في مصر، وقد بلغ من اجتهاده أنه كان يرجع إلى الكتب التي نقل عنها ابن عابدين حاشيته الشهيرة ـ رد المحتار ـ فيجده واهمًا في بعض النقول .

ويعدد من هؤلاء الأساتذة: الشيخ أحمد الكردي ـ مفتي الحنفية بحلب ـ والشيخ عيسى البيانوني نزيل البقيع ـ والشيخ إبراهيم السلقيني ، والشيخ محمد الناشد ، والشيخ راغب الطباخ مؤلف (أعلام النبلاء في تاريخ حلب الشهباء) وكثيرًا غيرهم من فضلاء العلماء ، الذين تركوا أثرهم عميقًا في تكوينه العلمي .

بين حماة والقاهرة:

وفي الأثر (منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب مال ) ولقد بلغ النهم إلى العلم بفقيدنا العزيز أقصى حدوده ، فلا يرويه درس ولا كتاب ، وبالأمس أتم دراسته في حماة ، فانطلق يطلبها في حلب وإذا استكمل اليوم مناهجه في خسروية الشهباء فهل يقف مكتوف اليدين يقنع نفسه بأن الشوط قد انتهى ، فحق له أن يستريح بعده !! كلا .. فليس هذا من طبع مثله ، ولابد له من أن يوجه خطاه في طريق آخر جديد وهو معروف مألوف ، إنه طريق الأزهر، الذي استولى بسلطانه الروحي على العالم الإسلامي كله حتى ذلك العهد ، فلا توقف لطالب علم دون بلوغه ، ولن يستكمل قيمته العالمية حتى يكون من مجاوريه ، ويتخرج على أساطينه .. فإلى الأزهر إذن .

ولكن الأزهر في قلب القاهرة .. وقد بدأت القاهرة ـ كغيرها من الحواضر الإسلامية ـ التي غزتها المدينة الغربية ـ تتجرد من طابعها الإسلامي في مختلف الجوانب والمظاهر، لا بل سبقت القاهرة سائر البلاد العربية في الأخذ بالألوان الدخيلة المخالفة لكل ما ألفه من حواضر الشام .. وحسبه منفرًا من القاهرة ذلك السفور الذي بدأ يقتحم على المسلمة خدرها ، والاختلاط الذي تفاقم حتى لا يخلو منه طريق ، فأنى لمثل هذا الفتى الذي لا يكاد يعرف من الدنيا سوى المسجد والمدرسة والبيت .. أنى له أن يحتمل رؤية تلك المنكرات التي لا يملك صبرًا على مشاهدتها !.. وما أفصح تعبيره عن ألمه وهو يكتب إلى بعض شيوخه في الشام قائلًا: (ماذا يأمل طالب العلم الحقيقي في مصر وهو يرى المحرمات من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله !..) وحتى الأزهر لم يسترح قلبه إليه وهو يرى إلى شيوخ فيه (غير عاملين بالسنة ، وليس عندهم شيء من الروحانية ، وطلبة يحلقون لحاهم وشواربهم وكثير منهم لا يصلون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت