فهرس الكتاب
وهذا ما أكرهه على العودة إلى حماة ، ولكنه ما إن حل بين قومه حتى أحس بتغير الحياة كلها من حوله حتى أقرب الناس إليه قد جعلوا يقرعونه على تفويت تلك الفرصة التي لا تتاح إلا للمحظوظين .. مما اضطره للعودة في ليلة لم يودع فيها أحدًا .. وكانت عودة موقفة لأن الشيخ صمم على قبول الأمر الواقع ، فلم يلبث أن وجد أهلًا بأهل وشيوخًا بشيوخ ، وجد فيهم الأنس الروحي ، ووجدوا فيه الأخ الوفي .. وكان بين هؤلاء الإمام الشهيد حسن البنا الذي يقول عنه (إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين .. كان لله بكليته بروحه وجسده ، بقلبه وقالبه ، بتصرفاته وتقلبه ، وكان الله له واجتباه وجعله من سادات الشهداء الأبرار) .
وفي الأزهر حصل على شهادة (العالمية) وأتبعها بتخصص القضاء ، وعلى الرغم من توافر الفرص أمامه للالتحاق بالدراسات العليا مع رفيقه وزميل دراسته الشيخ مصطفى السباعي ، أبى إلا اللحاق بمسقط رأسه لقناعته أن ليس وراء حاضره سوى الشهادات ، وهو مستغن عنها بما لديه من العلم ، وبمئات المصنفات التي يتلهف لمطالعتها ..
والحق .. لقد أثبت الشيخ تفوقه على الجم الغفير من حملة الشهادات العليا ، وبخاصة في الفقه الحنفي الذي أعطاه كل طاقاته ، حتى بات فيه المرجع المجمع عليه بين علماء الشام دون منازع ..
جهاد لا يفتر:
وبعودة الشيخ إلى حماة استأنف نشاطه في الخطابة المسجدية ، وفي الدروس العامة ، التي كان قد بدأها من قبل ، وأقبل عليه طلبة العلم الشرعي يتلقفون معلوماته ، ويقتبسون عنه مبادئ السلوك والأخلاق .. وما لبث إلا قليلًا حتى أحرز مودة الجميع وتقدير الكافة سواء في ذلك علماؤهم وشبابهم ونساؤهم وعامتهم .
وقد ضاعف من أثره ومن تقدير الكافة له ذلك الدأب الذي تميز به في خدمة العلم ، فدروسه لم تنقطع قط سواء في المدرسة أو المسجد أو البيت ، لا يكاد يفرغ من جانب حتى ينتقل إلى الآخر ولا يشغله عن ذلك شاغل إلا الأحوال الملزمة كالنوم والطعام والمرض ، فإذا ما وجد فسحة بين هذه الأعمال لجأ إلى القلم ينشئ ردًا ، أو يجيب على استفتاء ، أو يدبج رسالة ، أو يراجع كتابًا .. هذا إلى امتيازه على الكثيرين من المشايخ والعاملين في خدمة الدعوة بأنه لم يقصر عطاءه على الناس ويهمل آله ، بل جميع بين الحسنيين فكان له من تلاميذه الكثر أحسن الغراس التي شرعت تؤتي أكلها تحت عينيه ، وكان له من أبنائه السبعة خير وارث لعلمه واجتهاده وفضائله ، حتى امرأته لم يدخر وسعًا في تزويدها بكل ما ينفع النسوة المؤمنات من العلم النافع ، فمجلسها حتى اليوم لا يخلو من توجيه إلى خير وإجابة على سؤال ، بارك الله في حياتها ونفع بها وبهم .
وقد زاد مكانه رسوخًا في قلوب الحمويين ما يعرفونه من زهده ، وإخلاصه ، وصدق لهجته ، وصلابته في كل ما يعتقد أنه الحق .. ثم مشاركته إياهم في مكافحة الاستعمار، وإلهابه المشاعر بحب الجهاد ، لتطهير البلاد من أرجاسه ، وإيثار الشهادة مع العزة على الحياة الخانعة الذليلة .. ولما نفذت الصليبية الجديدة مؤامراتها بتقسيم فلسطين .. كان في مقدمة العلماء والزعماء المثيرين للهمم ، الشاحذين للعزائم .. وقد وطن نفسه على مرافقة أخيه الدكتور مصطفى السباعي لخوض غمرات الجهاد ، لولا تشدد إخوانه في منعه من مغادرة حماة ، يقينًا منهم أن بقاءه في قلب الجمهور أنفع للقضية من مشاركته في القتال .
ولقد وقف الشيخ نفسه وجهوده على توعية المسلمين بحقائق دينهم ، ليل نهار، خطيبًا ومدرسًا ومناقشًا ومؤلفًا، لا يهادن أحدًا في حق الإسلام ، ولو كان أقرب الناس إليه وأعزهم عليه .. ولهذا كثرت ردوده حتى على أحبابه ، وفي كتابه الضخم (ردود على أباطيل) سجل ناطق بهذه الحقيقة التي يستوي في معرفتها عنه القريب والبعيد . ولقد ظل زمنًا ـ فيما أعلم ـ على خلاف مع أخيه الأستاذ عبد الغني لرأي شذبه عن المألوف في فهم العلماء لآية من كتاب الله ، فأعرض عنه ولم يشفع به ما عرفه في هذا الأخ من أدب عال وأخلاق سامية ومن كرائم الحسنات اللاتي يذهبن السيئات .
الشيخ والتصوف:
بقي أن نحدث القارئ عن جانب آخر من حياة الصديق الفقيد ، لا سبيل إلى إغفاله لأنه جزء لا يتجزأ من كيانه الأصيل . ذلك هو مسلكه الصوفي الذي جر عليه الكثير من العناء ، وكلفه في مطلع شبابه ألوان العداء ، من الأقرباء والأصدقاء .
لقد تلقى بوادر الصوفية الأولى منذ نشأته في ذلك البيت الذي كان الزهد والقناعة وسيلته إلى مجابهة الضنك الذي ينيخ عليه بكلاكله ، وطبيعي أن التصوف القائم على الرضى بالمقسوم ، ومعالجة الحرمان بالأذكار الواصلة بين الليل والنهار، أنجع الأسباب في التخفيف من أعباء الواقع ، فكيف إذا كان رب هذا البيت من شيوخ الصوفية الذين يتأسى بهم السالكون !..
فالصوفية الذاكرة الزاهدة الصابرة إذن هي أول المؤثرات التي واجهها أهل ذلك البيت ، فلا غرابة أن تطبع نفس هذا الفتى ، الملتهب المشاعر والفائض الذكاء ، بصبغتها العميقة ، فلا تكاد تزايله يومًا كاملًا من حياته .
وكما تأثرت نشأة الفقيد الأولى بالنزعة الصوفية ، حدث أن تأثر بنقيضتها السلفية التي كان داعيتها خاله العلامة الصالح الشيخ سعيد الجابي رحمه الله ، ونحن لا ندري مدى ذلك التأثر بتوجيهات خاله من حيث العمق والقناعة والالتزام ، ولكننا نلمحه من خلال بعض كتاباته التي أشار بها إلى موقفه من كلتا الدعوتين ، فنعلم أن تحوله إلى الصوفية كان أثناء دراسته في حلب ، والظاهر أنه كان تحولًا عميقًا لم يلبث أن قطعه عن رفاقه السلفيين .
نماذج من أدب الفقيد