الصفحة 758 من 3812

وبالرغم من أن الشيخ لم يتابع تعليمه المدرسي بعد ذلك ، لكنه تلقى علومه على يد علماء عصره في الشام ، فقد درس على بعض الشيخ الألبان الأجلاء ، منهم الشيخ"سليمان غاوجي الألباني"رحمه الله حيث درس من الفقه وعلم الصرف ، وقرأ القرآن وجوّده على الشيخ"صبحي العطار"رحمه الله: ثم على الشيخ"محمود فايز الديرعطاني"رحمه الله ، وقرأ على الشيخ"محمد صالح الفرفور"رحمه الله اللغة العربية والفقه الحنفي والتفسير والمعاني والبيان والبديع ، ولازمه فترة من الزمن تقارب العشر سنوات مع طلابه ، وغيرهم من شيوخ الشام . والشيخ لا يعدد أحدًا من تلامذته ، ويظهر تواضع شيخنا أنه يعتبر الذين درّسهم طوال السنين السالفة هم أخوة له يتدارس معهم العلوم الشرعية ‍

رباه والده على ألا ينسى بلده ، وهكذا علّمه الألبانية منذ صغره ، وهي إلى اليوم لغة منزله ، فهو يتحدث مع أهله وأولاده بالألبانية كما لاحظت ، وقد يسّرت له هذه اللغة التواصل مع أقربائه وأبناء بلاده ، مما جعله يرتحل إليها في كل عام للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فترك آثارًا لا تمحى في الإحياء الإسلامي هناك.

زار الشيخ بلدانًا عدة من العالم الإسلامي داعيًا وعالمًا يدرّس في المساجد ويشارك في المؤتمرات والندوات العلمية .

خلافه مع الشيوخ

بات معروفًا أن ثمة خلافًا حادًا قام بينه وبين عدد من شيوخ الشام ، وبالرغم من أن ظاهر خلافه معهم يعود إلى عدم التزامه مذهبًا معينا في الفتوى ، فهو يرى أن"العالم الحقيقي لا يتقيد بقول عالم واحد مهما كان شأنه"بل يتبع الدليل"ولا يحق أن يكون مقلدًا"، وإن كان يرى أن العامي لا مذهب له ، ومذهبه مذهب مفتيه ، فالتزامه بالمذهب أمر ضروري طبيعي ، وبالرغم من أن الشيخ لم يدَّعي الاجتهاد ، لكنه لا يرض بالتقليد دون معرفة الدليل .

والحقيقة أن اللا مذهبية وحدها لم تكن المشكلة الأساسية ، وإنما نزوع الشيخ"السلفي" (وانتقاده للغلو في التصوف) الذي يتضارب مع روح التصوف السائدة في بلاد الشام رغم أنه لا يرى مانعًا من التصوف عندما يكون"بمعنى الرقائق التي تليّن القلوب وتهذَّب النفوس". وقد حققت له سلفيته المعتدلة وشخصيته المرحة وجرأته ووضوحه ، المعروفان شعبية كبيرة ، فأثارت حسدهم .

جهوده في التعليم

فيما عدا دروسه الكثيرة في المساجد ، عمل الشيخ مدرسًا لعلوم القرآن والحديث النبوي الشريف بين عامي (1952-1959م) في مدرسة"الإسعاف الخيري"التي تخرج فيها من قبل ، وأدرك فيها شيخه صبحي العطار رحمه الله ، وفي عام 1960م (1381هـ) انتقل إلى المعهد العربي الإسلامي بدمشق ، فدرّس القرآن والفقه ، وقد كان إلى فترة يدرّس في معهد"الفرقان"بالمزة ، ومعهد المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسيني ، لكنه الآن وقد ضيّق عليه ، فجرّد من كل هذه الوظائف لم يبق له سوى درس أسبوعي واحد في أحد جوامع دمشق ، مرة في الأسبوع ‍.

كان خطيبًا لمدة خمسة عشر عامًا في جامع"الديوانية البرانية"بدمشق القديمة منذ عام 1948هـ (1369هـ) ثم انتقل إلى جامع"عمر بن الخطاب"في القدم . الذي كان الشيخ نفسه وراء بنائه بمساعدة أهل الخير ، وبقي فيه خطيبًا لمدة عشر سنوات ، ثم أصبح خطيبًا لعشر سنوات أخرى في جامع"الإصلاح"وفي منطقة الدحاديل ، ثم أصبح خطيبًا لجامع"المحمدي"بالمزة لثماني سنوات أعفي بعدها من الخطابة بشكل كامل بتداعيات خلافه مع الشيوخ ، كما مُنع من الحديث في المناسبات الرسمية ، ورغم ذلك فهو لا يفتأ يخالط الناس ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم فبقي قريبًا من قلوبهم .

جهوده العلمية في الحديث الشريف

ليس للشيخ اجتهاد خاص في علم مصطلح الحديث، وإنما يفضل العمل بآراء علماء الحديث وشرطه، وهو لذلك يأخذ برأي الإمام النووي - رحمه الله - في تصحيح الحديث وتضعيفه ، الذي يقول فيه"يجوز لمن ملك خبرة بهذا الفن وقويت معرفته ، أن يصحح ويحسّن حسب قواعد مصطلح الحديث عند العلماء"، ففي الحديث المرسل - مثلًا - يقول الشيخ الأرناؤوط:"أعمل برأي الإمام الشافعي رحمه الله الذي يقول بأن المرسل ضعيفه لا يُعمل به إلاّ إذا وجد للحديث طرق وشواهد، فعند ذلك يعمل به".

وفي حكم الأخذ عن أصحاب البدع والأهواء يقول:"وقد احتج بعض الأئمة برواية المبتدعة الدعاة وغير الدعاة ، فقد احتج البخاري بعمران بن حطان وهو من دعاة الشراة ، وبعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني وكان داعية إلى الإرجاء.. والحق في هذه المسألة - كما قاله العلامة محمد نجيب المطيعي في حاشيته على (نهاية السول) قبول رواية كل من كان من أهل القبلة يصلي بصلاتنا ويؤمن بكل ما جاء به رسولنا ، فإن من كان كذلك لا يمكن أن يبتدع بدعة ، إلا وهو متأول فيها ، مستند في القول بها إلى كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - بتأوّل"رآه باجتهاده ، وكل مجتهد مأجور وإن أخطأ ، أما إن كان ينكر أمرًا متواترًا من الشرع ثابتًا بالكتاب والسنة وإجماع الأمة معلومًا من الدين بالضرورة أو اعتقد عكسه ، كان كافرًا مجاهرًا فلا يقبل مطلقًا…"."

ويؤكد الشيخ على أن"سلامة المعتقد"شرط ضروري عند المحدّث لأنه يؤثر في منهجه ، وعلى ما سبق تأسس منهجه في تحقيق الحديث ، فهو يحرص كل الحرص على بيان درجة كل حديث مما لم يرد في أحد"الصحيحين" (البخاري ومسلم) ، من حيث الصحة والضعف ، حسب الأصول والقواعد المتبعة في علم المصطلح ، فيذكر ما يقال في رجال الحديث ممن تُكلّم فيهم ، مسترشدًا بأقاويل جهابذة الحديث ونقاده .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت