لقد فطر الله الناس على الفطرة عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: ( مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ ) ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (14) " (15) . والفطرة تدعو المرء إلى الاتجاه إلى الخالق ، لكن الإنسان تحيط به مؤثرات تجعله ينحرف حينما يتجه إلى المعبود الحق . (16) وتزداد المؤثرات على الإنسان فيعتقد بإيجاد الدهر له وللكون قال تعالى: ( وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) (17) فأول مرتبة يبتدأ بها المدعو عند هؤلاء تقرير عقيدة الربوبية ودعوتهم إلى إفراد الله بالخلق والملك والتدبير وإيقاظ تلك فطرة التي خلقهم الله عليها ودعوتهم إلى التدبر بأنه لا بد لكل مخلوق إلى خالق، والتأمل في خلق الكون ومايحويه من مخلوقات من مد الأرض، ورفع السماء، وإيلاج الليل والنهار، وتكوير الكواكب، وتسخير الفلك، وتسيح الرعد، وإنزال الماء، وإرسال الرياح، وخلق الإنسان وتطور ذلك الخلق، وتصويره في الأرحام وتسخير الكون كله له، ووصف البعث، والجزاء وجميع الدلائل على قدرته، والدلالة على أنها الخالق والمالك لها ومدبرها واحد. والآيات على ذلك كثيرة ."
2 ـ تقرير عقيدة الألوهية:
و الذين يخاطبون في هذا التقرير كثير وقد استطرد فيه القرآن كثيراَ سواء في دعوة أهل الكتاب أو مشركي العرب فقد ورد على ألسنة عدد من الرسل وهم نوح وهود و صالح وشعيب قوله تعالى: ( وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ) (18) وعلى لسان موسى كما ورد على لسان موسى لقومه في قوله تعالى: ( إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا ) (19) وعلى لسان عيسى عليه السلام قال تعالى: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ) (20) وفي دعوة محمد - صلى الله عليه وسلم - كثير من ذلك منها قوله تعالى: ( قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا) (21) كما أنه صلى الله عليه وسلم أرشد إلى هذا المضمون أثناء بعث معاذ إلى اليمن عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِي اللَّه عَنْهمَا ـ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: ( إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِم ) . (22)
ب: تقرير عمومية رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) . (23)
ج: تعليمهم الفرائض والعبادات:
كما اتضح ذلك في وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لمعاذ في الحديث السابق .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثالثًا: الترتيب المكاني:
وهذا المقام الثاني الذي أطلق عليه ابن القيم مراتب الدعوة وأشرنا إليه في أول المبحث وذكر أنها خمس مراتب حيث ذكر الأولى النبوة ، والصحيح أنها أربعة مراتب كمايلي: