والتقوى أيضًا من الأمور الهامة التي يجب على الداعي أن يتصف بها لأن دعوته توقيع عن رب العالمين فإذا كان تقيًا ورعًا تثبت من النقل وتحرى الصواب وتورع من الفتوى على الله بغير علم.
2-الصدق والأمانة:
الصدق من الصفات الجليلة التي يدعو إليها الداعي ، فلابد أن يمتثل بها ويتحرى الصدق في أقواله وأعماله ، لأن الصدق مصدر ثقة المدعوين به والالتفات حوله ومتابعته، كما أن الأمانة صفه مهمة لا تنفصل عن كيان الداعي لأن الناس في العادة تأمن الداعي على الأموال والأعراض والأسرار ، والداعي بحكم وظيفته ملتقى لودائع مادية وأدبية ، فلابد أن يكون عند حسن الظن (5) .
3-الرفق والحكمة:
الرفق والحكمة من أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الداعي فمتى كان الداعي رفيقًا حكيمًا عرف كيف يتصرف في المواقف ويعالجها بما يناسبها (6) ، فيكون رفيقًا فيما يأمر به ، رفيقًا فيما ينهى عنه، كما كان ذلك هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ورفقه مع الأعراب ، وحديثي العهد بالإسلام ، فالله رفيق يحب الرفق ، ويعطي على الرفق مالا يعطي على سواه (7) .
والحكمة من الصفات الهامة التي يحتاجها الداعي في جميع أموره، و بها يزن الأمور، والمواقف ، ويعرف متى يدعو ومتى يحجم في الوقت غير المناسب ، وكيف يتدرج مع المدعو فالدعوة كلها في موضوعها وأساليبها ووسائلها مفتقرة إلى حكمة الداعي قال تعالى: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ ) (8) .
4-التواضع:
التواضع سلوك لابد منه للداعي ؛ لأن الداعي بحاجه أن يكون على صلة مستمرة بالناس وقريبًا من قلوبهم (9) ، فالمدعوين فيهم الغني والفقير، والشريف والوضيع ، والكبير والصغير، ولن يستطيع أن يتعامل مع هؤلاء الأصناف إلا إذا كان متواضعًا ولن يستجيبوا له ويحبوه إلا إذا كان كذلك لأن من طبيعة الناس التي جبلهم الله عليها أنهم لا يقبلون قول من يستطيل عليهم ويحتقرهم ويستصغرهم ويتكبر عليهم ، وإن كان ما يقوله حقًا وصدقًا ، هكذا جبلت طبائع الناس فإنهم ينفرون عن المتكبر ويغلقون قلوبهم دون كلامه ووعظه وإرشاده فلا يصل إليها من قوله شيء بل قد يكون ذلك سببًا إلى كرههم الحق منه ومن غيره (10) .
ومهما بلغ الداعي من الفضل والعلم والمنصب لابد له من التواضع فهذا النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - سيد الخلق أجمعين ومعلم الدعاة كان يتواضع مع عامة الناس يخالطهم ويجلس جلستهم ، ويأكل من طعامهم، ويقضي حوائجهم، لذا على الداعي أن يتأسى برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن يتجنب شتى مظاهر الكبر (11) ويوطن نفسه على التواضع ولين الجانب .
5-الصبر:
الدعوة إلى الله وظيفة عظيمة وأمانة كبيرة وحملها يحتاج إلى صبر ومجاهدة وتضحية، لذا اختار الله لها أعظم الخلق صبرًا وتحملًا وتضحية والداعي إلى الله يواجه الناس ويعارض شهواتهم ورغباتهم فهو يصادم ما يريدون فلابد أن يجد معاناة الرفض والأذى و الإهانة، لذا لابد أن يتحلى الداعي بهذه الصفة حتى يصمد ويستمر في دعوته حتى يلقى الله، قال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ) (12) ,يقول سيد قطب - رحمه الله -: ( وذلك ليثبت على هذه الدعوة أصلب أصحابها عودًا فهؤلاء هم الذين يصلحون لحملها والصبر عليها ...) (13) .
فلابد أن يدرب الداعي نفسه على تحمل أذى أهل الكتاب من النصارى وغيرهم ويتعلم كيف يحلم عليهم وهو يدعوهم إلى الحق (14) .
6-موافقة العمل للقول:
إن هذه الأخلاق الحميدة وغيرها مما يدعو إليه الداعي من سائر العبادات والأحكام الشرعية , لابد أن يطبقها عمليًا في واقع دعوته ومع نفسه ، ويجتهد بالتحلي والإنصاف بها ؛لأن حسن الخلق ، والتخلق بمكارم الأخلاق سبب رئيس لمحبة الداعي والتأثر به والالتفات حوله ثم أن هذه الأخلاق الحميدة هي موضوع دعوته التي يدعو إليها فلابد أن يفعل ما يقول وأن يطبق ما يدعو إليه؛ لأن المدعوين يريدون أن يروا في الداعي هذا المعنى السامي الذي يدعوا إليه فيكون ذلك تصديقًا لما يقول ، وفي الغالب أن عامة الناس يتأثرون بأفعال الدعاة أكثر من أقوالهم ، والمدعوين لا يستجيبوا لمن يقول لهم خذوا قولي واتركوا فعلي (15) .
وقد عاتب الله سبحانه هؤلاء بقوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ) (16) ، وروى البخاري في صحيحه عن النبي - صلى الله عليه وسلم: ( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك ؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه ) (17) .
لكن مع ذلك لا يتوقف الداعي عن الدعوة بحجة أنه لم تتوفر فيه كل المؤهلات العلمية والخلقية ولكن عليه أن يجتهد في تحصيلها قدر ما يستطيع لأن التقصير في أمر العبادات والأخلاق وارد على المسلمين جميعًا ولا عصمة لأحد من ذلك إلا من عصمه الله ، فلو قصرنا الدعوة على العلماء والأتقياء فقط ، لحدث في جوانب الدعوة نقص كبير ولم نجد المعصوم .
ولكن معرفة الأمور التي ينبغي أن يتصف بها الداعي مطلب تربوي يسعى إليه الدعاة.
(1) انظر الدعوة إلى الله في السجون، (158) .