الصفحة 854 من 3812

ثم إن الدعاة سعاة، فينبغي على الداعية أن يذهب إلى المدعو؛ ففي تحرك الداعية نحو الآخر، واحتكاكه به ومعرفة واقعه وطريقة عيشه، والاطلاع على آماله وآلامه، تتسع مدارك الداعية إلى الله، ويتسع أفقه ليشمل الغير دون تهميش لهذا أو ذاك، ودون إقصاء لفلان أو علان، أو تكبر على هذا الشخص أو ذاك، والداعية مطالب بأن يتسع أفقه لعموم الناس،الموافقين والمخالفين على السواء.

ولكي يُبعد الداعية إلى الله عن نفسه داء ضيق الأفق، عليه أن يدربها على النفور من ادعاء امتلاك الحقيقة، وأن يمزق شعار: قولي صوابٌ لا يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ لا يحتمل الصواب؛ إذ يجب على الداعية أن يتربى على الاستعداد الصادق لسماع ما عند الآخر، وأن يترك الفرصة له للتعبير عن بنات أفكاره وآرائه، بدون إشعاره أن ما يقوله تافه أو غير مجد أو خاطئ حتمًا .

يقول الأستاذ عبد الله بن العيد، الباحث في الدراسات الإسلامية: ( إنه من المؤسف حقًا أن نجد الداعية لا يمتلك القدرة على سماع الغير وتقدير ما عندهم من أفكار وآراء، بل يمكن أن تعرض على الداعية أحيانا الآراء المخالفة وذهنه مغلق خارج التغطية، متيقنا -عن سابق إصرار وترصد- بأن ما سيقال له مجرد ترهات وأباطيل لا أصل لها من الحقيقة؛ فعنده الحكم على الأمور والأشياء بمقياس: إما أبيض أو أسود! والواجب أن يلزم نفسه بسماع ما عند المدعو وغير المدعو ثم يحكم بقبوله أو رده بالدليل الشرعي، مع إيجاد العذر للمخالف، لا الرفض من أجل الرفض انطلاقا من هواه الشخصي ) ، فالتجرد للحق معين عظيم على سعة الأفق ولا شك.

وليأخذ الداعية المصاب بداء ضيق الأفق الحكمة والموعظة من قصة الفقيه إسحاق بن راهويه الذي التقى بالإمام الشافعي في مكة، فتناظرا حول مسائل عديدة، والعجيب أنهما في بعض المسائل رجع الشافعي إلى قول إسحاق، ورجع إسحاق إلى قول الشافعي، كل واحد منهما أعجبته حجة الآخر ودليله، فقال بها، وهذا نموذج الانتصار للحق فقط والتجرد له، بعيدا عن الهوى أو الغرور أو الكبر بما عند الداعية من علم أو شهرة.

كما أنه من المعينات على سعة الأفق عند الداعية ضرورة نهجه لخطة واضحة الوسائل والأهداف، بغية الانفتاح على ثقافات الغير وواقعهم، وتعلم ممارسة فنون الدعوة العملية من خطابة ومحاضرة، ودرس، وحوار، ومناظرة ووسائل أخرى، والاعتناء باللغات الأخرى غير العربية؛ وهو ما يمنح الداعية اطلاعًا واسعًا ينفي عنه سمة الضيق في أفقه وطريقة تفكيره .

وقبل هذا وذاك، الداعية الحريص على أن يكون أفق دعوته ممتدًا أمامه لا يحده حاجز، يجدر به أن يكون خلقه حاميًا لعلمه ومعرفته الشرعية من أخطار الانزلاق في سراديب الشهوات ومتاهات النزوات، ومن هذه الأخلاق الحامية له أن يكون أمينًا على شئون الدعوة المباركة، بالتواضع أمام من هو أعلم منه وأفقه، ورد الأمر له، الشيء الذي يكسر جذوة الرغبة في احتكار المعرفة المفضية إلى ضيق الأفق، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) رواه الترمذي وحسنه.

أ . حسن الأشرف

إسلام أون لاين

وقفات من عزل الدعاة

منذ قرون عديدة يتعرض المجتمع الإسلامي لأصناف من التضييق الدعوي، يختلف باختلاف الزمان والمكان، وما ذاك إلا من أجل وأد مسلمات هذا الدين، ومزجه بالشهوات والشبهات على حسب الأهواء، وقد يتبنى حدوث الأزمات في حياة الدعاة جملة من الأديان والفرق والمذاهب والجماعات، حيث يكون لها النصيب الأكبر في إيقاد فتنة عميقة في البلد، حتى يكون نتاج ذلك فجوة بين الدعاة أنفسهم، وبين الدعاة والمجتمع.

وبين يدي هذا المقال أضع بين يدي الداعية بعض الخواطر التي أرجوا أن تكون بلسمًا ناجعًا لكل الدعاة، وحسبي من القلادة ما أحاط بالعنق.

الرموز الدعوية:

الله عز وجل يهيء للناس دعاة إلى الله عز وجل بدءًا بالأنبياء والرسل ومحمدًا صلى الله عليه وسلم، وانتهاء بأتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

والصف النفاقي، وعشاق الحسد، لا يألون جهدًا في إطفاء المعالم التي ينطلق من خلالها الدعاة، سواء كان ذلك من الجانب الاجتماعي أو من الجانب النفسي، أو من أي جانب يسقط مكانة الداعية، أو يقلل من جهوده وطاقاته.

ومن الأمثلة على ذلك محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أوجد الصف النفاقي وعلى رأسهم عبد الله بن أبي، أسلوبًا في إسقاط مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك باتهام عرض أمنا عائشة رضي الله عنها، وقد خابوا وخسروا في استغلال ذلك، فهذا هو أسلوبهم، فهم مثل الذباب لا يقعون إلا على المستقذر، يحاولون جاهدين في النيل من الرموز الدعوية، ولو كان ذلك على حساب الأعراض.

وعشاق الحسد، وأساطين النفاق، يقودهم الغيظ، حينما يرون أن لمثل هذه الرموز واجهة فعلية لهذا المجتمع، مما يقودهم ذلك إلى إثارة البلبلة في الصف الإسلامي، وإيجاد حالة من الانهزامية النفسية لدى المسلمين وذلك من خلال الانسياق في بحر الأزمات، مما يولدُ حالة من عدم الثقة بين المسلمين، فهذا يرمي بالتهمة، والآخر يصدق، ويكون صراع داخلي، وهذا الصراع يزيد من الفرقة بين الأمة، مما يسهل تسلط الأعداء، والابتعاد عن القيادة الدعوية، وذلك يولدُ حالة من الإحباط النفسي بين الصفوف، والضعف والاستكانة أمام العدو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت