وكذلك صرف اهتمامات القيادة الدعوية، من أمور الدعوة إلى الفتن والأزمات الداخلية يشعل الأزمة في أي مجتمع، فتتعطل حركة التنمية، ومسيرة العطاء مدة من الزمن، تطول أو تقصر بحسب حجم هذه الأزمة وآثارها، ما لم يتم العمل بحسب الأسلوب الأمثل لعلاج هذه الأزمة، والمجتمع الإسلامي حالهُ حال أي مجتمع في ذلك؛ فالأزماتُ تعطل عجلة العطاء، وتهدر الكثير من الطاقات والوقت، ويفقد الصف الإسلامي بسببها الكثير من الإنجازات التي تم تحقيقها؛ فبعد انتصاراتٍ عظيمة حققها المجتمع الإسلامي، بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم على الجبهات العسكرية، أو على جبهة بناء المجتمع المسلم، أو على الصعيد الدعوي، نجد الصف النفاقي يُحدث مثل هذه الفتنة، لكي يصرف اهتمامات القيادة الدعوية، من إرساء دعائم المجتمع المسلم إلى إشغاله بمعالجة آثار هذه الفتن، والعمل على إخماد نارها.
تهويل أخطاء الدعاة:
بني الإنسان معرض للخطأ، ولاشك بأن الأخطاء تتفاوت بحسب حجم العمل، مما يجعلنا أن نربي أنفسنا على النظرة الواقعية للعمل سواء كان ذلك على مستوى الأفراد أو على مستوى الأعمال المؤسسية.
فمن الإجحاف أن نجعل الخطأ خطيئة لا تغتفر، والزلَّة في مرتبة العزل والمنع،ولا شك بأن تعميم الخطأ هو شهوة العاجزين والحاسدين، وفي مخيلة الإنسان مواقف كثيرة تثبت بأن أسلوب التعميم في الخطأ أسلوبًا جرى عليه الكثيرمن المؤسسات الحكومية والمسئولة، وأصبح لديهم عشقا لخبر أي زلة أو خطأ يصدر من الدعاة أو من أي عمل مؤسسي.
حيث أن أداة تفعيل المكر وإشاعة الخطأ فنٌ يجيده صغارهم، مع أن أبواب التحكم لديهم مهيأة لديهم وذلك من خلال الصوت الإعلامي، والسلطة والمكانة، مما يجعل ذلك فرصة لهم في أخذ الحرية في إكمال السير، وتحقيق الهدف.
وعلينا كأفراد ومؤسسات أن نعالج الأخطاء التي تصدر من أفرادنا ومؤسساتنا بشكل إيجابي، مع إظهار الأطر الإيجابية للمجتمع عند إظهار خلاف ذلك، ونحن لا نبرئ الرمز الدعوي من عدم الوقوع في الخطأ، فهو يبحث عن معالجة الأخطاء التي بدرت منه سواء كان ذلك من خلال الكلام أو السلوك، أو يبحث عن المعالم التي تزج به عن الوقوع في تهمة تُثار عليه في دعوته.
الرموز الدعوية وفقد التوازن:
لما تهب عاصفة قوية على الرموز الدعوية، فإن ذلك يشكل ثلما واضحًا في صفوف الدعاة والمجتمع ككل، بل قد يؤدي إلى حدوث إبادة كلية لأي عمل دعوي، وهذا أمر طبيعي عند حدوثه مباشرة، والمطلوب من الصف الدعوي أن يصنعوا التوازن عند حدوث الحدث، وكذلك التعامل معه في قالب يشكل الاستمرار في العمل الدعوي، وعدم الإنحناء أو الفتور.
ومن الطبيعي أن يشكل المجتمع الذين يبجلون هؤلاء الرموز نوعًا من الحماس، وذلك للمكانة التي يحملونها في نفوسهم لهؤلاء، ولكن من الحكمة أن يفعل هذا الحماس تفعيلا إيجابيًا، من أجل أن ينصر الحدث، أو يقلل من استمراره، لأنه في حال فقد التوازن في التعامل مع أي حدث دعوي، يجعل هناك خسائر دعوية على جميع الأصعدة، سواء كان ذلك من النشء الدعوي، أو من الأعمال والترتيبات الدعوية، أو ذهاب فترة زمنية لم تحقق فيها مصالح دعوية، أو تبدد المكاسب والإنجازات من ذي قبل، أو حدوث الفجوات بين الرموز الدعوية باختلاف أعمالهم، وشخصياتهم.
ومن الأهمية أن لا يفقد التوازن مهما استمر التيار المقاوم، وأن يستمر سلم العمل الدعوي باختلاف أساليبه - سد الثغور - .
لا شك بأن عزل الدعاة عن المنابر الدعوية ثلمة واضحة في تاريخ المجتمعات، وأسلوب بارد لتجميد منابع الخير، ومنحة سانحة إذا استغلت استغلالا جيدًا؛ لأننا نخشى من أصحاب الفكر السيء، ومريدي الانفتاح والشر، أن يشمروا لسد ثغور أهل الدعوة والخير.
وقد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأيام وصفا دقيقا كما في حديث أبي هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال: (سيأتي على الناس سنواتُ خدَّاعاتُ، يُصدّق فيها الكاذبُ ويُكذب فيها الصادق، ويُؤتمُن فيها الخائنُ، ويُخوّنُ فيها الأميُن، وينطقُ فيها الرُويبَضة قيل: وما الرُويبَضة ؟ قال: الرجل التافهُ يتكلمُ في أمر العامَّةِ ) حديث صحيح رواه أحمد وابن ماجة والحاكم ( صحيح الجامع 1/ 681 ) .
صبرًا أيها الدعاة:
يقول السيد قطب: ( إن موكب الدعوة إلى الله، الموغل في القدم، الضارب في شعاب الزمان، ماض من الطريق اللاحب، ماض في الخط الواصب، مستقيم الخطى ثابت الأقدام، يعترض طريقه المجرمون من كل قبيل، يقاومه التابعون من الضالين والمتبوعين، ويصيب الأذى من يصيب من الدعاة، وتسيل الدماء وتتمزق الأشلاء، والموكب في طريقه لا ينحني ولا ينثني ولا ينكص ولا يحيد، والعاقبة مهما طال الزمن للمؤمنين ) .
يأمر الله جلًّ وعلا بالصبر في عشرين موضعًا من القرآن الكريم، مرة بصيغة ( اصبر ) وهى ثماني عشر، واثنتان بصيغة ( اصطبر ) ، أما ( الصبر ) فقد ورد في نحو تسعين موضعًا في القرآن الكريم، فهو أكثر خُلق تكرر ذكره في كتاب الله عز وجل.
ولنقرأ معًا بعض هذه الآيات الكريمة:
قال تعالى - ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) (35) سورة الأحقاف.
قال تعالى - ( وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ) (109) سورة يونس.
قال تعالى - ( فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ) (49) سورة هود.
قال تعالى - ( وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) (115) سورة هود.