الصفحة 857 من 3812

فالدعوة إلى هذه العقيدة هي الأساس والمنطلق؛ فلا يُدعى إلى شيء قبلها من فعل الواجبات وترك المحرمات حتى تقوم هذه العقيدة وتتحقق؛ لأنها هي الأساس المصحح لجميع الأعمال, وبدونها لا تصح الأعمال ولا تقبل ولا يثاب عليها, ومن المعلوم بداهة أن أي بناء لا يقوم ولا يستقيم إلا بعد إقامة أساسه.

ولهذا كان الرسل يهتمون بها قبل كل شيء, وكان النبي صلى الله عليه وسلم عندما يبعث الدعاة يوصيهم بالبداءة بالدعوة إلى تصحيح العقيدة , فعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا رضي الله عنه إلى اليمن؛ قال له: ( إنك ستأتي قومًا أهل كتاب ، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدًا رسول الله ، فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ، فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم ، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) . (3)

فمن هذا الحديث الشريف, ومن استقراء دعوة الرسل في القرآن, ومن استقراء سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم, يؤخذ منهج الدعوة إلى الله, وأن أول ما يدعى الناس إليه هو العقيدة المتمثلة بعبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة ما سواه, كما هو معنى لا إله إلا الله.

وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاث عشرة سنة بعد البعثة يدعو الناس إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام، قبل أن يأمر الناس بالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وترك المحرمات من الربا والزنى والخمر والميسر. (4)

أبرز ما دعا إليه الرسل - عليهم السلام- في مجال العقيدة:

أولًا: الدعوة إلى توحيد الله, والنهي عن الشرك:

وتوحيد الله هو: ( نفي الكفء والمثل عن ذات الله تعالى، وصفاته, وأفعاله, ونفي الشريك في ربوبيته, وعبادته - عز وجلّ- ) . (5)

وهي أول دعوة الرسل, وأول منازل الطريق, وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله - عز وجل -, وهو أول ما يدخل به في الإسلام, وآخر ما يخرج به من الدنيا, فهو أول واجب وآخر واجب.

وهو يتضمن ثلاثة أنواع:

الأول: الكلام في الصفات.

الثاني: توحيد الربوبية, وبيان أن الله وحده خالق كل شيء.

الثالث: توحيد الإلوهية, وهو استحقاقه - سبحانه- أن يُعبد وحده لا شريك له.

والتوحيد الذي دعت إليه الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الإلوهية المتضمن توحيد الربوبية, وهو عبادة الله وحده لا شريك له, فإن المشركين من العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية, وأن خالق السماوات والأرض واحد, ولم يكونوا يعتقدون في الأصنام أنها مشاركة لله في خلق العالم, بل كان حالهم فيها كحال أمثالهم من مشركي الأمم من الهند والترك والبربر وغيرهم, باتخاذهم التماثيل شفعاء يتوسلون بهم إلى الله. (6)

ولا يتحقق التوحيد الكامل إلا بأمرين:

أ- العلم اليقيني بأن الله وحده هو المعبود, فلا يعبد غيره سواء كان إنسانًا أو حجرًا أو شجرًا أو هوىً أو أي شيء آخر.

ب- ألا يعبد الله إلا بما شرع . (7)

أما الشرك فأفضل ما عُرف به في الاصطلاح، قول النبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل: أي الذنب أعظم عند الله ؟ فقال: ( أن تجعل لله ندًا وهو خلقك ) . (8)

قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - رحمه الله: ( أن يجعل لله ندًا، أي: مثلًا في عبادته، أو محبته، أو خوفه، أو رجائه، أو إنابته، فهذا هو الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه ) . (9)

والشرك من أعظم مفسدات العقيدة, وأشد الذنوب خطرًا على العبد.

وهو على نوعين:

النوع الأول: شرك أكبر مخرج عن الملة، وهو: كل شرك أطلقه الشارع، وهو منافٍ للتوحيد منافاة مطلقة، مثل أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله؛ بأن يصلي لغير الله، أو يذبح لغير الله, أو ينذر لغير الله.

النوع الثاني: الشرك الأصغر، وهو: كل عمل قولي أو فعلي أطلق عليه الشارع وصف الشرك لكنه لا ينافي التوحيد منافاة مطلقة، مثل الحلف بغير الله, و الرياء. (10)

والدعوة إلى الله لابد أن تبنى على أساس متين بالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك؛ فإن أعظم ما أمر الله به التوحيد, وهو إفراد الله بالعبادة, وأعظم ما نهى الله عنه الشرك, وهو دعوة غيره معه. (11)

وإنما كان التوحيد أعظم ما أمر الله به؛ لأنه الأصل الذي يبنى عليه الدين كله, ولهذا بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله, وأمر من أرسله للدعوة أن يبدأ به.

وكان الشرك أعظم ما نهى الله عنه؛ لأن أعظم الحقوق هو حق الله-عز وجل-، فإذا فرط فيه الإنسان فقد فرط في أعظم الحقوق وهو توحيد الله عز وجل. (12)

وغالب سور القرآن متضمنة للتوحيد, بل كل سورة في القرآن, فإن القرآن:

-إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله, وهذا هو التوحيد العلمي الخبري.

-وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له, وخلع ما يعبد من دونه, وهذا هو التوحيد الإرادي الطلبي .

-وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته, فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته.

-وإما خبرعن إكرامه لأهل توحيده, وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده .

-وإما خبر عن أهل الشرك, وما فعل بهم في الدنيا من النكال, وما يحل بهم في العقبى من العذاب, فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.

فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه, وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم. (13)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت