الصفحة 858 من 3812

وجاءت الدعوة إلى الإيمان بالله وحده وترك عبادة ما سواه في آيات الله بطرق مختلفة؛ وذلك إما في دعوةٍ صريحةٍ إلى الإيمان بالله وحده ونهي عن الإشراك به, وإما بسوق الأدلة والبراهين العقلية على وحدانيته - سبحانه- ، أو بضرب الأمثلة على بطلان ألوهية غيره، ويجب أن تكون الحنيفية أول موضوع يدعو إليه الداعي في دعوته, فإنه لا صلاح لأمر العبد إلا بصلاح إيمانه بربه, وهو ما يجب الاهتمام به لما له من أثر عميق في حياة الفرد والمجتمع, فإن التوحيد الخالص لله - سبحانه وتعالى- يمنح العبد راحة وطمأنينة وأمنًا واستقرارًا, لأنه يعبد إلهًا واحدًا, يذكره في الرخاء ويفزع إليه في الشدة, يذنب فيستغفر ربه فيغفر له, يرجو ثوابه ويخشى عقابه, يدفعه إيمانه به إلى طاعته للفوز برضاه, وهو في هذا واحد في مجتمع لا يصلح إلا بصلاحه, فالمجتمعات المؤمنة هي أسعد المجتمعات حالًا, وأكثرها استقرارًا، بخلاف المجتمعات ذات العقائد الفاسدة التي تنتشر فيها الخرافات والأفكار الباطلة، ويعيش الفرد فيها في حيرة وتخبط، ويعاني من التأخر والتعثر؛ لهذا فنعمة التوحيد نعمة لا تقدر, ومنحة إلهية لا تعوض, أمرنا المولى بحمده عليها، فقال: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ) . (14)

(1) مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة وموقف الحركات الإسلامية المعاصرة منها / (ص9) ، د. ناصر بن عبد الكريم العقل.

(2) سورة هود، الآية (50) .

(3) أخرجه الإمام البخاري في كتاب الزكاة، باب أخذ الصدقة من الأغنياء، وترد في الفقراء حيث كانوا، ح (1395) ، وأخرجه الإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين، وشرائع الإسلام، ح (30) ، انظر: موسوعة الحديث الشريف (الكتب الستة) / (ص118 ، 684) .

(4) انظر: الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد / (ص 19) وما بعدها، لمعالي الشيخ الدكتور: صالح بن فوزان بن عبدالله الفوزان.

(5) عقيدة المؤمن/ (ص 87) ، لفضيلة الشيخ: أبو بكر جابر الجزائري.

(6) انظر: شرح العقيدة الطحاوية / ( ص21 - 29) ، للإمام القاضي: علي بن علي ابن محمد بن أبي العز الدمشقي, تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، شعيب الأرنؤوط .

(7) انظر: عقيدة المسلم وما يتصل بها / (ص 22) ، تأليف: عبد الحميد السائح .

(8) أخرجه الإمام البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله-تعالى: ( الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) [البقرة:22] ، ح (7520) ، وأخرجه الإمام مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان كون الشرك أقبح الذنوب، وبيان أعظمها بعده،ح (141) . انظر: موسوعة الحديث الشريف (الكتب الستة) / ( ص627 ، 693) .

(9) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية / (1/91) ، جمع وترتيب الشيخ: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، وساعده ابنه: محمد .

(10) انظر: شرح كشف الشبهات ويليه شرح الأصول الستة / (ص 147 ، 148) ، لفضيلة الشيخ: محمد بن صالح العثيمين, إعداد الشيخ: فهد بن ناصر السليمان .

(11) انظر: الأصول الثلاثة وأدلتها/ (ص 6) ، لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، علَّق عليها وصحح أصولها: محمد منير الدمشقي .

(12) انظر: شرح ثلاثة الأصول / (ص 41) ، لفضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين, إعداد الشيخ: فهد بن ناصر السليمان .

(13) انظر: شرح العقيدة الطحاوية / (ص 42 ، 43) .

(14) سورة الزمر، الآية (29) .

الدعوة إلى الله في مجال العقيدة (2- 2)

ثانيًا: الدعوة إلى الإيمان باليوم الآخر:

وهو: ( أن تصدق بكل ما بعد الموت من عذاب في القبر ونعيمه, وبالبعث بعد ذلك, والحساب والميزان, والثواب والعقاب, وبالجنَّة والنار, وبكل ما وصف الله به يوم القيامة ) . (1)

واليوم الآخر: هو يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء، وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده, حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم, وأهل النار في منازلهم. (2)

والإيمان باليوم الآخر فريضة واجبة, وهو أحد أركان الإيمان الستة. (3)

ففي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سأل جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال: ( أن تؤمن بالله، وملائكته, وكتبه، ورسله, واليوم الآخر, وتؤمن بالقدر خيره وشره) . (4)

ويتضمن الإيمان باليوم الآخر ثلاثة أمور ، وهي كما يلي:

الأول: الإيمان بالبعث:

وهو إحياء الموتى حين ينفخ في الصور النفخة الثانية, فيقوم الناس لرب العالمين, حفاة غير منتعلين, عراة غير مستترين, غرلًا غير مختتنين.

والبعث: حق ثابت دلَّ عليه الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين. (5)

قال سبحانه وتعالى: ( وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) . (6)

الثاني: الإيمان بالحساب والجزاء:

وهو أن الله سبحانه وتعالى يحاسب العبد على عمله, ويجازيه عليه.

وقد دل على ذلك الكتاب, والسنة, وإجماع المسلمين. (7)

قال تعالى: ( ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) . (8)

الثالث: الإيمان بالجنة والنار:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت