فهرس الكتاب
وأشرك الرجال والنساء في هذه المهمة، نصًا، ثم أشركهم في الثواب، فقال:
{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (71) سورة التوبة.
وخص النساء، من خلال نساء النبي صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهن، فقال:
{وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا} (32) سورة الأحزاب، قال ابن زيد: ( قولًا جميلًا حسنًا معروفًا في الخير) تفسير الطبري: 22/3
وقد رافقت المرأةُ الرجلَ في مدارج الدعوة الأولى، ولم تغب عن ساحتها طوال القرون المتعاقبة من تاريخ الإسلام.
ومن أبلغ الشواهد على ذلك ما جاء في حديث بدء الوحي، حين رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعًا إلى بيته، ترجف بوادره، قائلًا: ( زملوني، زملوني ) فلما سكن عنه الروع قال لخديجة: ( أي خديجة، ما لي، لقد خشيت على نفسي ) . فأخبرها الخبر، قالت خديجة: ( كلا، أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبدا، فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق؛ فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل ) الحديث.. رواه البخاري.
ويتأكد دور المرأة الدعوي في هذه الأوقات لأسباب متنوعة ، منها:
أولًا: الانفتاح الإعلامي والاجتماعي، الذي أحال العالم إلى قرية كبيرة، يختلط فيها الحابل بالنابل، والطيب بالخبيث ، ويصل تأثيره كل بيت، ويقرع كل أذن، ويغشى كل عين، فلم تعد الخَفِرات العواتق ذوات الخدور بمنأى وعافية من طائلته، وذلك يستدعي، بالضرورة، تطوير خطاب دعوي مواكب للحاجات المستجدة، مواجه للشبهات الطارئة .
ثانيًا: الهجمة الشرسة على المرأة خاصة، من قِبَل أدعياء التنور والتحرر، ودهاقنة الرذيلة، وتجار الأعراض والأبعاض، متذرعين بمختلف وسائل الإفساد، وآلات الفجور بغرض تحطيم البناء الاجتماعي المتين للمسلمين، وإذابته في مجاري اليهود والنصارى والذين لا يعلمون .
ثالثًا: محاولة مسخ عقل الطفل المسلم؛ ربيب المرأة المسلمة، وإعادة تشكيله وفق أهواء الكفار، ومنازعة المرأة وظيفةً من أخص وظائفها .
رابعًا: ما تشهده المنطقة؛ محليًا، وإقليميًا، في العقدين المنصرمين ، من دفع متسارع للمرأة المتعلمنة، لتسييد منظومة اجتماعية، دخيلة على أهل الإسلام، مما يستدعي الحضور الفاعل للمرأة الراشدة، ضمن ضوابط الشريعة.
وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، رحمه الله، عن المرأة والدعوة إلى الله، فأجاب بما نصه: ( هي كالرجل؛ عليها الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأن النصوص من القرآن الكريم والسنة المطهرة تدل على ذلك، وكلام أهل العلم صريح في ذلك، فعليها أن تدعو إلى الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر بالآداب الشرعية التي تطلب من الرجل، وعليها مع ذلك ألا يثنيها عن الدعوة إلى الله الجزع، وقلة الصبر، لاحتقار بعض الناس لها، وسبهم لها، أو سخريتهم بها، بل عليها أن تتحمل وتصبر، ولو رأت من الناس ما يعتبر نوعًا من السخرية والاستهزاء. ثم عليها أن تراعي أمرًا آخر؛ وهو أن تكون مثالًا للعفة والحجاب عن الرجال الأجانب، وتبتعد عن الاختلاط ، بل تكون دعوتها مع العناية بالتحفظ من كل ما ينكر عليها، فإن دعت الرجال، دعتهم وهي محتجبة، دون خلوة بأحد منهم، وإن دعت النساء دعتهن بحكمة، وأن تكون نزيهة في أخلاقها وسيرتها، حتى لا يعترضن عليها؛ ويقلن: لماذا ما بدأت بنفسها ؟! وعليها أن تبتعد عن اللباس الذي قد تفتن الناس به، وأن تكون بعيدة عن كل أسباب الفتنة؛ من إظهار المحاسن، وخضوع في الكلام، مما ينكر عليها، بل تكون عندها العناية بالدعوة إلى الله على وجه لا يضر دينها، ولا يضر سمعتها ) . مجموع فتاوى ابن باز: 3/240
وثم حاجة ماسة إلى الحديث عن ( الدعوة النسائية ) وتأصيلها، وضبط مسارها، حتى لا تنحرف إلى اجتهادات دخيلة على الشريعة، وممارسات أجنبية على المجتمعات الإسلامية، ويبرر هذا الحذر أمران:
أحدهما: شيوع كثير من صور النشاط النسوي الوافد من المجتمعات الغربية، في البلاد الإسلامية، دون تمحيص، وقد تم استيراد، ونقل، وتوطين، وتأنيس، هذه الممارسات على متن الحركات العلمانية التي سادت لحقبة من الزمن، ولا تزال، في كثير من الدول الإسلامية، وجرى تناولها، وتعاطيها، والتأثر ببعض أفكارها، من قِبَل بعض الحركات، والجمعيات الإسلامية ؛ إما جهلًا، وإما مجاراةً للأمر الواقع.
ثانيًا: حداثة الدعوة النسائية، نسبيًا، مقارنةً بالدعوة الرجالية، وافتقار النساء إلى القيادات النسائية المؤهلة، وصعوبة تواصلهن مع العلماء، أحيانًا، لاعتبارات شتى، مما أدى إلى حصول اجتهادات تفتقر إلى القاعدة الشرعية، والخبرة التاريخية .
وكل ذلك يؤكد على ضرورة إثراء هذا الموضوع بالبحوث والمناقشات المطمئنة، لارتياد أرضٍ يجد فيها الدعاة، والداعيات، بتوفيق الله، مُراغَمًا كثيرًا وسعة.
التنويع في الخطاب الدعوي:
يتنوع الخطاب الدعوي النسائي، بحسب تنوع الفئة المستهدفة من النساء:
1-فئة العامة، الباقيات على الفطرة الأصلية: يغلب في الخطاب أسلوب الموعظة، والذكرى، وتوجيههن إلى البرامج البناءة؛ من حفظ للقرآن، وشهود حلق العلم، ومناشط اجتماعية مناسبة.
2-المتعلمات: يخاطبن بما يناسب مستواهن العلمي، ويدعين للتفقه في الدين، والمشاركة الاجتماعية في مجالات الدعوة، والنفع العام.