فهرس الكتاب
المتأمل في تاريخ الدعوة الإسلامية في بدايتها الأولى في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يلاحظ اهتماما نبويا بتوظيف المواهب والقدرات في مكانها الصحيح، بعد امتلاك القدرة على استيعابها وامتصاصها إلى محيط الدعوة الرحب وإطارها الفسيح، مهما كان جنوح هذه الموهبة أو شراستها أو حتى تفوقها وتفردها النادر؛ فكان الداعي الأول محمد صلى الله عليه وسلم يضبط توجيه الموهبة مع إضفاء البعد العقدي الإيماني على حركتها؛ حتى يستفيد المجتمع المسلم من موهبته، وليس من وجوده في الإطار الإسلامي فقط، مع إعطاء صاحب الموهبة أبعادا رسالية في إبرازه لموهبته في خدمة الإسلام ونصرته؛ فكانت المواهب تجد متنفسا صحيا لها في ظلال الإسلام، فتنتج إبداعا قل نظيره.
ومن المواهب التي تعامل معها النبي صلى الله عليه وسلم موهبة الأدب والشعر، وكان الشعر في الجاهلية هو الأداة الأقوى في التأثير على الرأي العام، واستعمل النبي صلى الله عليه وسلم هذه الموهبة التي تميز بها بعض أصحابه استعمالا كثيرا، فلم يُبقِ شاعرا إلا وقد استخرج كل ما عنده في نصرة الإسلام والرد على خصومه والإشادة بانتصاراته.
ومن هؤلاء حسان بن ثابت رضي الله عنه الذي عُرف بشاعر الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي كان يمتلك موهبة نادرة وقريحة حاضرة، تستطيع أن تخرج من أحرج المواقف بأقوى الكلمات.
هذه الموهبة الفذة تعامل معها النبي صلى الله عليه وسلم بما يليق بها، ووظفها في مكانها الصحيح؛ فكانت الموهبة إبداعا؛ ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:"اهجُ قريشا؛ فإنه أشد عليها من رشق النبل"، فقال حسان:"قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه" (يقصد لسانه) ، ثم قال:"والذي بعثك بالحق لأفرينهم بلساني فري الأديم"، فقال صلى الله عليه وسلم:"إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحتَ عن الله ورسوله"، وفي رواية أخرى للبخاري:"اهجهم -أو هاجهم - وجبريل معك".
المواهب تتكامل:
ثم رأى النبي صلى الله عليه وسلم ضرورة التكامل بين المواهب لنصرة الإسلام، فأمر حسان الشاعر أن يجلس مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه النسابة حتى لا يخلط الشاعر الأنساب في هجائه، فيصيب النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه في شعره، فقال حسان:"والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين".
أما المواهب والقدرات العنيفة والظريفة والماكرة فتعامل معها النبي صلى الله عليه وسلم بحكمة بالغة، ووظفها في المجال اللائق بها ولم يهدرها، ومن نماذج ذلك: الصحابي عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه الذي كان فتاكا في الجاهلية؛ فأصبح بعد إسلامه رجل المهام الخاصة والعمليات الخطرة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله في سرية بمفرده، بل تعجب النبي صلى الله عليه وسلم من قدرته على النجاة من المواقف المهلكة، وأخبره أنه ما أرسله مع جماعة إلا قُتلوا وعاد هو إليه.
أما الصحابي نعيم بن مسعود الغطفاني رضي الله عنه الذي أسلم أثناء غزوة الخندق وفي ظروف عصيبة على المسلمين، والذي لا شك أنه كان يمتلك دهاء ومكرا قل نظيره، واستفاد النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الموهبة في شق التحالف بين اليهود ومشركي مكة، واقترب هذا الرجل بالدهاء من أن يكون جيشا؛ لأن توظيف الموهبة في مكانها الصحيح وتوقيتها المناسب قوة لا يستهان بها.
أما الموهبة الظريفة التي تحمل النبي صلى الله عليه وسلم بعض تجاوزاتها؛ فهي موهبة الصحابي نعيمان رضي الله عنه الذي كان يدخل السرور على نفس النبي صلى الله عليه وسلم بمواقفه الطريفة، والتي وصلت إلى حد بيع أحد الأحرار من المسلمين على أنه عبد، وذبْح جمل وتفريق لحمه، فتحمل النبي صلى الله عليه وسلم ثمنه ولم ينكر عليه.
الدعوة بين النمو والتكاثر:
إن الدعوة الإسلامية تحتاج إلى النمو بقدر حاجتها إلى التكاثر، تحتاج أن تبلغ مراحل متقدمة من النضج، وأن تكون مَعْلما في الحياة، وتعلو فوق التيارات الفكرية والثقافية والاجتماعية المنافسة؛ لأن امتلاك الحق لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على جعله واقعا في الحياة.
وما دمنا نعيش حياة الانفتاح الثقافي والحضاري فإن الدعوة تحتاج إلى ثقافة حضارية شاملة مع امتلاك الوسائل التي يمكن من خلالها توصيل مبادئ الحق والخير على الناس على اختلاف مشاربهم وأفكارهم، وهو ما يفرض على الدعوة الإسلامية أن تكون مجالا رحبا لإفراغ الطاقات واستيعاب المواهب، وأن تمتلك فقه الصعود للمعالي من خلال خطة معرفية ذات أبعاد حضارية.
وإذا كانت الفضائيات والمسرح والفنون والسينما والرياضة.. إلخ قد أصبحت حواس جديدة للبشرية تتلمس بها الأفكار، وتسترشد بها في حياتها؛ فإن الدعاة يحتاجون إلى أن يكون لهم نصيب وافر منها؛ لأن الداعية الذي يمتلك موهبة الكلام والقدرة على التعامل مع وسائل الإعلام يتجاوز تأثيره الحدود، ويخترق بما يمتلكه من الحق والمفاتيح (المواهب) القدرة على وضع هذا الحق في القلوب والسلوك بعد تحطيم هذه الأقفال التي عليها.
لماذا تذبل المواهب؟
إن المواهب والقدرات مثل الجذور الجيدة، تحتاج إلى رعاية وعناية حتى لا تصاب بالضمور والتقزم، وربما تنقلب إلى مواهب ضارة في الحقل الدعوي.
ومن الأسباب التي تؤدي إلى ذبول المواهب في الدعوة وبين الدعاة:
ليست خطابة فقط:
وجود بعض الأفكار التي تقصر المواهب على الوعظ والخطابة فقط؛ فالموهبة عندهم لا تعدو أن تكون صوتا جهوريا، وقدرة على الانفعال والتأثير.
اجتهادات تحتاج لمراجعات: