فهرس الكتاب
أولًا: المقصود بالتقويم الدعوي
المقصود به في العمل الدعوي الحركي: معرفة أوصاف الإنسان بشكل متكامل مما يترتب عليه إسناد وظيفة معينة له أو اتخاذ موقف تجاهه سلبا أو إيجابًا .
ثانيًا: خطورة التقويم الدعوي
تكمن خطورة التقويم الدعوي ووجوب الدقة والتحري فيه في:
1-أن التقويم قد يكون جرحا أو تعديلًا .
2-ما يترتب عليه من اثر ( إسناد المهمات والتكاليف ) .
3-ما يترتب عليه من توليه الغير أكفاء أو إقصاء الكفاءات حال اختلاله .
4-الوقوع في ذات الشخص بما هو منه براء كوصفه بصفات هو بعيد منها وإبعاده عن صفات هو قريب منها أو مواقعها .
5-أن الإنسان أهم أركان الخطط وأكثرها تأثيرا في عوامل النجاح والفشل .
ثالثًا: سلبيات القائمين على عملية التقويم
الأولى: عدم التحري وسرعة المجازفة
وتعتبر هذه من أبرز السلبيات فإذا طلب تقييم شخص من الأشخاص اكتفى المقيمون بالتقديرات والتخمينات والحوادث الشاذة والأفعال النادرة التي قد ربما تصدر من الشخص مرة واحدة في حياته ثم يبنى عليها .
الثانية: غياب الإنصاف
فإذا طلب من المقيمين لفرد من الأفراد جرحه أو تعديله تحدث البعض عن مواقف تعرض لها معه إما مواقف يحمده عليها فيكون التعديل بمثابة الجزاء على صنيعه معه ، أو مواقف يذمه عليها فيكون التجريح بمثابة العقاب على فعله ذلك معه فينقلب الأمر عداء شخصيا أو علاقة شخصية وقد وعد أحد الأفراد صديقه أن يجتهد في تزكيته ليترقى إلى رتبة أعلى !!
وهذه السلبية نشأت عندما لم يلتفت لقول الله تعالى: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى } .
وقد سئل علي بن المديني عن أبيه ؟ فقال: اسألوا غيري فأعادوا عليه فقال: إنه الدين . أبي ضعيف .
وسئل الإمام أحمد عن ابنه عبد الله ؟ فقال: كذاب ؟
وهذا من تحري العدل والإنصاف والتجرد عند علي بن المديني وابن حنبل وغيابه عندنا .
فلا بد من التجرد عن القرابة الشخصية أو العداء الشخصي إن حدث معه موقف يوما ما أخذه في نفسه وبقي ينظر إليه بعين ذلك الموقف والكمال عزيز .
قال أسامة بن منقذ: العدل في الشيء صورة واحدة والجور صور كثيرة وهما يشبهان الإصابة في الرماية والخطأ فيها ؛فإن الإصابة تحتاج إلى ارتياض وتعهد والخطأ لا يحتاج إلى شيء من ذلك .
الثالثة: غياب النصح للشخص المجروح
فإذا اكتشف في فرد من الأفراد خطأ أو ملاحظة يسكت عليها ويبقى على ذلك أزمان دون الالتفات إلى عيبه والجلوس معه ونصحه ، بل يسكت عليه ويبقى في نفوس المقيمين ذلك دون إبداءه له ومحاولة نصحه وإصلاحه واستكمال نقصه .
وقد شكى لي أحدهم قِدَم الانتساب في هذه الدعوة إلا أنه خوطب أخيرا بأن فيه كذا وكذا وبأنه لا يمكن أن يرقى إلى رتبة أخرى أو توكل إليه مسؤولية وحين سألهم متى كان فيَّ ذلك ؟ قيل له: من سنين ؟ فعجب لما لم ينصح ويوجه ويؤهل منذ ذلك الحين ؟؟
الرابعة: التقويم بما اقلع عنه ( الحكم عليه بما تاب منه )
آفة خطيرة لدى لجنة التقويم أو لدى بعض أفرادها وهو الحكم على الشخص بحوادث ماضية ربما مضى عليها سنين وقد تاب منها وأقلع والتوبة تجب ما قبلها والتبدل سنة القلوب .
قال الإمام السخاوي: وكذا يجتنب التعرض للوقائع المنقصة الصادرة في شبوبية من صيره الله تعالى بعد ذلك مقتدى به فمن ذا سلم ؟؟والاعتبار لحالة الآن .
والأصل ستر المعاصي ، كيف وقد مضت .
الخامسة: الحكم عليه بالصفات الطارئة
فيقوم بما حدث منه طارئ أو بحادثة لا تتكرر وهذا من لخطأ ؛ فإن التوثيق يبنى على صفة لازمة لا على صفة طارئة أو منفردة لأنها لا تتكرر .
السادسة: عيب في لجنة التقويم
ومن السلبيات المشهورة خلل يحدث للجنة المقومة للفرد وهو أنها بعد جرحه يبقى هذا الجرح في نفوس أفرادها وتبقى تلك الأخطاء في أذهانها وينظر دائما إلى هذا الفرد بتلك النظارة .
وعليه فان الجرح لا ينافي الصحبة والاخوة والولاء والبراء كما قرر ذلك شيخ الاسلام ابن تيمية رحمة الله تعالى .
السابعة: الإسراف في الجرح
وهذه سلبية أيضا فالتمادي في جرح الشخص وكثرة التنقيب عن أخطاءه وإبرازها من الظلم الذي لا يجوز أن نقترفه .
قال الإمام السخاوي: وإذا أمكنه الجرح بالإشارة المبهمة أو بأدنى تصريح لا تجوز له الزيادة على ذلك فالأمور المرخص فيها للحاجة لا يرتقى فيها إلى زائد على ما يحصل الغرض .
رابعا: قواعد عامة في التقويم الدعوي
هذه القواعد ستساعد بإذن الله تعالى على تلافي الكثير من السلبيات وتجعل موضوع التقويم الدعوي أكثر حزما وانضباطا والتزاما .
القاعدة الأولى: الموازنة بين الجرح والتعديل
وذلك بعدم الاكتفاء بطرق جانب على آخر فتطرح محاسن القوم ومساويهم ويوازن بينها وعند تساوي الجرح والتعديل في شخص يقبل الجرح إذا كان مفسرا بينا واضحا , ذلك لما لذلك من خطورة قبول هذا الشخص وترقيت على وحدة الصف وعلى المهمات الموكلة إليه .
القاعدة الثانية: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث
استخدموها في فقه الطهارة ونحن نستخدمها أيضا في فقه الدعوة: بمعنى إذا زادت حسنات الشخص على سيئاته فيقبل ولا يعتد ببعض النقد الموجه إليه .
وقد كان شيخ الإسلام ابن تيمية إذا تحدث عن شخص وفيه كذا وكذا . قال له سيئات غرقت في بحور حسناته .
فمن ذا سلم ، وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه ، ومن الذي ما ساء قط ومن له الحسنى فقط .
القاعدة الثالثة: عدم الوصف بما لا يعلمه إلا الله
وذلك كالجزم بالنفاق وسوء الظن والكبر أو دخول الجنة فإن ذاك أمره إلى الله تعالى وإنا كما قرر الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في قاعدته الذهبية: لنا حكم الظاهر والله يتولى السرائر .