الصفحة 971 من 3812

هل يمر هذا الموسم العظيم على المسلمين دون أن يستثمر؟ وهل تمضي السنون وتجئ الجموع تلو الجموع وتذهب دون أن يضاف إلى الرصيد المعرفي والإيماني شيء؟ ودون أن يتم التعارف الأخوي الذي يزيد الإيمان؟ وكيف يغيب عن ذهن المسلمين استثمار هذا الحشد الكبير في تأصيل الانتماء والحرص على سلامة النهج؟

إنني أرى أنه يتعين على أهل الخير عمل الكثير وتطوير التعامل مع هذا الحدث بما يليق به,فالواجب أن تهتم المرأة والرجل ومؤسسات الإصلاح في كل البلاد الإسلامية بهذا الموسم العظيم فتعمل جاهدة على استثمار كل دقيقة منه.. إنه من الخسارة أن تذهب الداعية للحج ولا تضع في ذهنها - مثلًا - بث الخير في النفوس بالكلمة الطيبة والوجه الباسم والحرص المخلص على معنويات صاحباتها في هذه الرحلة الإيمانية المباركة,وليس بالضرورة أن يكون كل وقت الرحلة دروسًا ومواعظ، بل يكون للقاءات الاجتماعية الناضجة التي تقرب النفوس وتعزز التعارف دور في مستقبل علاقات إيمانية طيبة يتم فيها التعاون على نشر الخير، وأيضًا يكون للصلاة وقراءة القرآن والقراءة في الكتب النافعة نصيب، وتكون أيضًا فرص للتخفيف عن النفوس بالمسابقات الثقافية والبرامج المختلفة.

إن هذه الأفكار ينبغي على الحجاج مراعاتها، وخصوصًا الأخت الداعية، ومن ذلك: مراعاة ظروف الأخوات، فيختار الوقت الذي يناسب الجميع، وأن لا يثقل بالموعظة؛ فإن منهج الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يتخول أصحابه بالموعظة.

ومن المهم أيضًا - بجانب الحديث عن أمور الحج - الحديث عن بعض القضايا التي تهم الناس في حياتهم اليومية بالقدر المناسب.

المهم أن لا تمضى الأوقات في غيبة أو نميمة أو كلام لا يعود بالخير على القلوب، والمهم كذلك أن تستشعر المرأة المسلمة أن الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وأن الحج المبرور هو الذي لا يرتكب فيه صاحبه معصية مهما صغرت, ومما يساعد على ذلك:

أن تشغل النفس بالطاعات الظاهرة والباطنة، ولاسيما أعمال القلوب من الإخلاص والتوكل والخشوع والإنابة والتوبة النصوح، فإن القلب متى ما اشتغل بالحق لم يجد الشيطان ثغرات يدخل منه ليسول له المعصية,وأيام الحج كلها معدودة فيا لخسارة من ضاعت عليها! ويا لسعادة من وفقت لاغتنامها وملئها بالنافع من القول والعمل.

تذهب الأخت فتلتقي ضمن الحملة بأخوات لم يجمعهن في هذا المكان إلا إيمان بالله ورسوله ولم يحركهن إلا ابتغاء رضا الله؛ فيأتي التعارف محققًا للرابطة الإيمانية ومذكرًا بأخوة العقيدة التي دونها كل صلة من قربى أو غيرها , وتتعود الأخت كذلك تحمل المشقة وتستشعر الاحتساب وأن لا يكون تحملها عادة أو موافقة لزميلاتها أو خشية نقدهن.. بل يكون هاجسها مراقبة الله وتذكر أخواتها المسلمات اللاتي يتعرضن إلى التشريد والجوع والتعب فتدعو لهن وتسأل ربها أن لا يكون ما هي فيه من نعم استدراجًا.

والأخت الداعية عليها مسؤولية تذكير أخواتها بهذه المعاني بمختلف الوسائل، كما تحرص على التلطف على المشاركات، فهذا أعظم مدخل على القلوب وأحرى بالتأثير.

ومن عظيم ما يجب على الداعية: التزود بالفقه، لا سيما في الأمور التي يكثر الاستفتاء حولها كمسائل الحج والطهارة والصدقة، ولكن ينبغي الحذر من الفتوى بلا علم.

والحج ضمن حملة منظمة تتوفر فيها كل أسباب الراحة فرصة كبيرة للدعوة والتأثير على الناس؛ ولذا فإني أتمنى من أصحاب الحملات أن يحرصوا على استقطاب الداعيات المتمكنات حتى يستفيد النساء ويتعلمن آداب الحج وأعماله اليومية, والداعية الذكية تستغل هذه الأيام التي تقبل فيها النفوس لتؤصل العقيدة في النفوس، وتسعى جاهدة لتقنع المؤمنات بضرورة الثبات والإقبال على شريعة الله أثناء الحج وبعده، وتجتنب مخالفة الحكم الشرعي.

إن من الخطأ - في رأيي - اهتمام حملات الحج بالطعام والشراب وتوفير وسائل الراحة - وهي مطلوبة - والغفلة عن العناية بتوفير الأجواء المناسبة للإفادة القصوى من هذا التجمع النادر,وأملنا أن نسمع هذه السنة في خطبة عرفة مناقشة لما يشغل المسلمين من مستجدات، وتوجيه للمرأة على وجه الخصوص، وتوجيه للرجال بالإحسان إلى النساء وحسن معاملتهن والقيام بالأمانة التي حملهم إياها رب العالمين,ومتى ما توافر كل هذا - مع تواص على الخير، وتعاهد على الالتزام بأوامر الله عز وجل أثناء الحج وبعده - ؛ تحقق الهدف من هذه الرحلة الطيبة، ورجعت المؤمنة بنفس قد ملئت من معاني الإيمان ما لم يكن لها على بال!

المصدر: لها أون لاي

التئام الفجوة بين المرأة والدعوة

أ.عبد الفتاح الشهاري

الدعوة إلى الله رسالة سامية، ومهمة راقية، قلما يجيدها إنسان ويقوم بها على الوجه المطلوب، مراعيًا في ذلك أصول المهمة الربانية، وأساسات الرسالة السماوية المنطلقة من قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} (107) سورة الأنبياء .

إن الدعوة إلى الله طريقٌ وعر، مسلكه خطر، يحتاج لمن يرتاده صبرٌ وتصبّر، يحتاج لمن يسلكه بصرٌ وبصيرة، فهو طريق محفوف بالمشقات، مرصوف بالعقبات، على طرقاته يميز الله الخبيث من الطيب، والطالح من الصالح، والداعي من الدعي، وعلى طرقاته تستبين خفايا النفوس، وما استقته في حياتها من علمٍ ودروس.

تلك هي الدعوة إلى الله في عمومها فكيف لو أن من حمل هذا العبء إنسانًا من أرق مخلوقات الله شعورًا ومشاعر، داعية تحمل بين جنباتها روح الأم والأخت والزوجة والشقيقة والابنة، تحمل روحًا شفافة كالزجاج، صدرها يملؤه العطف والحنان، وقلبها يفيض حبًا وأمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت