الصفحة 972 من 3812

هي المرأة التي أرادها الأدعياء أن تتحلل عن قيمها من بوابة المساواة والحقوق، وأن تتسلل عن أخلاقها لتقع في رذيلة الشر والعقوق، فكان التحدي أمامها جبالًا من التحدي والصمود، إما أن تثبت فيه فتقلب السحر على الساحر، أو تهوي إلى منزلقٍ من التفسخ بلا قيود.

إن الدعوة علاوة على ما ذكرناه في عمومها إلا أنه على وجه الخصوص في حال الوسط النسائي يكتنفه العديد من الإشكالات والمعوقات، من أبرزها: قلة عدد النساء الداعيات، وصعوبة التوفيق في أغلب الأحوال وخاصة في إطار المتزوجات بين عمل الدعوة والقيام بشؤون المنزل وحقوق الزوجية، ومنها أيضًا صعوبة التنقل وتقييد الحركة في التحرك من مكانٍ لآخر، وصعوبة إلقاء الدروس إلا في تجمعات بعينها وبترتيب مسبق في معظمه بخلاف ما هو لدى الرجل من إمكانية القيام وإلقاء الخاطرة في أي وقت شاء وأي مكان يشاء، ومن ذلك انصراف الفتيات على وجه الخصوص إلى التأثير الخطير للفضائيات وما يعكسه هذا التأثر من معالم واضحة تبدو في مظهرها الخارجي على الفتاة ناهيك عن المخبر والأخلاق.

ولهذا فإن من أولى مهام المرأة الداعية ألا تغفل نصيبها من العلوم والمعارف والأخذ بكل ما هو نافع ومفيد فهي تتعلم وتعلم وتقوم بالدعوة إلى الله بالوسائل والطرق التي تتناسب مع طبيعتها كامرأة.

ولو تتبعنا تاريخ المرأة الإسلامي لوجدنا أن المرأة المسلمة ضربت أكبر المثل والقدوة لبنات جنسها في علمها وأدبها وحرصها على تلقي العلم من منابعه الأصيلة والعمل به ، وقد ضربت لنا عائشة رضي الله عنها أروع المثل في إقبال المرأة المسلمة على التعلم فقد كانت رضي الله عنها تمتاز بعلمها الغزير الواسع في مختلف نواحي العلوم كالحديث، والطب، والشعر، والفقه والفرائض.

قال الإمام الزهري عنها:"لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضله".

وقال هشام بن عروة:"ما رأيت أحدا أعلم بفقه ولا طب ولا بشعر من عائشة",وكانت رضي الله عنها شديدة التمحيص والتنقيب فقد ذكر المزي: ـ أنها كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه ، كما أنها تعد من رواة الحديث المكثرين وبقيت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أنموذجا رائعا لبيت النبوة تفتي وتعلم وتنشر دين الله .. حتى كانت عضدا للخلفاء والأمراء من بعده صلى الله عليه وسلم.

إن على المرأة أمام العوائق والمشكلات التي أجملناها سابقًا تحديًا واضحًا وصعبًا يحتِّم عليها أن تكون على قدر المسؤولية في معالجتها وتجاوزها، وإن حرص المرأة على مشاركة غيرها من النساء في الدعوة إلى الله حتى مع وجود شيء من التقصير أمرٌ لازم ومطلب ضروري يضع القدم في أول طريق الحلول الناجعة، فلا يشترط في الداعية الكمال، وإلزام الإنسان نفسه الوصول إلى الكمال حتى يمارس الدعوة هو مدخلٌ من مداخل الشيطان يسعى به إلى تثبيط الهمة، وإلى التسويف والتأجيل حتى تفقد المرأة بذلك عزيمتها نهائيًا,بل إن من الذكاء والفطنة وحسن التقدير أن تستغل المرأة خطأها ليكون مدخلًا يجعلها أن تقدم ذلك الخطأ نموذجًا ضمن نماذج الأمثال السلبية التي تضعه أمام النساء من باب العظة والعبرة ومحاولة إيجاد الحلول المشتركة للخروج منه وتجاوزه، فمن الخطأ الفادح أن تظن المرأة بأن وقوعها في معصية لا يسوغ لها أن تدعو إلى النهي عنها، بل عليها أن تنهي عن المعصية حتى ولو كانت واقعة فيها، وتأمر بالمعروف وإن كانت تاركة له مع جهاد نفسها بصدق على معالجة ذلك القصور.

إنه من المهم فعلًا إيجاد جيلٍ من الداعيات يتشربن الدعوة ماءً يجري في عروقهن أنى كن وفي أي موضعٍ كن عليه طالبات، أو عاملات، أو سيدات أعمال أو ربات بيوت، فالدعوة إلى الله لا يحدها حد، وليس لمجالاتها إحصاء ولا عد, وعلاج الأمر كله تنظيم الوقت وترتيب الأولويات، فالفرض يقدم على النفل، والضرورات تقدم على الحاجات، والحاجات تقدم على الأمور التكميلية التحسينية إذا صارهناك تعارض.

فالمرأة العاقلة المخلصة لا يمكن لها أن تهمل زوجها وبيتها وأولادها بحجة أنها مشغولة بالدعوة، والأمر في هذا للرجل أيضًا فليس من العدل أن يهمل الرجل بيته وزوجه وأولاده، بحجة أنه مشغول بالدعوة، وليس من العدل أن تغفل المرأة الداعية عن عملها الوظيفي الذي تتقاضى عليه مرتبًا يعينها وزوجها، أو تغفل عن عملها الدعوي الذي هي فيه على ثغر من ثغور الإسلام، يُخشى أن يؤتى الإسلام من قبلها، فإذا ضاقت عليها الأوقات، فبإمكانها أن تسند بعض المهمات إلى أخريات يتحملن معها المسؤولية، وتقوم هي بدور التوجيه والإشراف.

إن مما يجب عمله والتسليم به السعي في سبيل نشر الدعوة إلى الله وإلى اتباع الأخلاق الفاضلة التي هي ركن مهم من أركان رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما قال:"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"كل ذلك السعي والكفاح ليس وقفًا على الرجل بمفرده، بل إنه يحتاج عمليًا إلى المرأة الداعية التي تؤازره وتسانده بما تملك من أسرار وخبايا النساء مثيلاتها، ولما يشكله قربها منهن إلى تلمِّس أعمق وأكبر لمشاكلهن وهمومهن ومعايشة واقعهن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت