فهرس الكتاب
وأمام ما هو حاضر معاشٌ الآن من تفسخٌ أخلاقي نتيجة الغزو الإعلامي والثقافي والفكري على مجتمعاتنا الإسلامية يكمن سر نجاح المرأة الداعية، ويكمن حجم العبء الملقى على عاتقها في سبيل تخطي كل هذه الحواجز والمعوقات.. ورغم ما يحيطها من أصحاب القلوب المريضة من محاولات لتثبيط نجاحاتها والمضي في طريقها إلا أن الواقع المعاصر الآن يؤكد لنا أنها بالفعل أصبحت على ذلك القدر من المسؤولية التي تبعث على التقدير والاعتزاز وأنها بحق قد استطاعت وبكل صمود أن تكسر مساحات الفجوة وتخترق كل مجالات الدعوة.
لمسة .. وكفى
بقلم / د. فهمي النجار .
دخلت المعلمة الجديدة قاعة الصف الأول الابتدائي وكل أملها أن تكون معلمة ناجحة ومفيدة لتلميذاتها.. وقد استقبلنها التلميذات الصغيرات بالتحية، وقد أبرقت أسرتهن فرحًا بها.. ماعدا تلميذة كانت منزوية في مقعدها، لم تشارك التلميذات بالترحيب بمعلمتهن الجديدة.. فلاحظتها المعلمة واقتربت منها، وكانت طفلة جميلة، غير أن شعرها لم يكن مصففا، ويبدوا على وجهها آثار الحزن والقلق والتوتر.. فمسحت المعلمة شعر التلميذة الصغيرة بلطف وود.. فرفعت الطفلة يد المعلمة، وكأنها محتجة على هذا التصرف.. فتركتها المعلمة.. حتى تعلم قصتها من الإدارة المدرسية ومن معلمة الصف السابقة.. وعلمت بعد ذلك أن الطفلة يتيمة الأب، وتعيش مع خالتها بعد زواج أمها.. مما أثر في نفسيتها ومن ثم في سلوكها، فأصبحت انفعالية، متوترة وأحيانا عدوانية تجاه زميلاتها..
وهنا تذكرت المعلمة - والتي تربت تربية إسلامية - سلوك الرسول صلى الله عليه وسلم اللطيف الحنون تجاه الأطفال بخاصة، وكيف كان يسلم عليهم، ويشعر بشعورهم، وتذكرت موقفه من أحد أطفال الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، والذي مات عصفوره الصغير وحزنه عليه وقوله صلى الله عليه وسلم له: ( يا أبا عُمَيرْ ما فعل النُغَيْر ) .. وكيف كان رسولنا العظيم يمسح على رؤس الأطفال ويلاطفهم.. وحضَّ المسلمين هذا السلوك ( فعن يوسف بن عبد الله بن سلام يقول: أجلسني رسول الله في حَجْرِه، ومسح على رأسي، وسماني يوسف ) .1
(وعن أبي إياس قال: جاء أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام صغير، فمسح رأسه واستغفر له ) .2
هذه اللمسات المباركة الحنونة من رسول الله صلى الله عليه وسلم تمنحهم البركة، وتشعرهم بالاطمئنان، وتزرع في أنفسهم الحب تجاه اللامس..
أقول:
تذكرت المعلمة هذه القيم الإسلامية العظيمة.. فبدأت تحنو على الطفلة وتمسح رأسها، وتلمس يديها.. حتى اطمأنت الطفلة لها، وأحبتها.. و أخذت تنزع التوتر من نفسها شيئًا فشيئًا حتى أصبحت طفلة سوية تحب من حولها من الأطفال، وتجتهد في دراستها..
وقصة المعلمة المسلمة ذات اللمسات الرقيقة الحانية درس بليغ للداعيات إلى الله.. يتعلمن منها طريقة الولوج إلى قلوب الأخريات صغيرات وكبيرات.. وكيف يكسبن عقولهن وأفكارهن.. في ظلال من الرحمة والحنان..
وهل المصافحة بين الأحباب والأصدقاء والصديقات إلا هذه اللمسات التي تزرع الحب والائتلاف بين المؤمنين.. وتثمر لقاء الأرواح بينهم.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الأرواح جنود مجندة، ما تلاقى منها ائتلف وما تناكر منها اختلف..) .
وقد ورد في السنة النبوية الشريفة استحباب المصافحة عند اللقاء، فعن أبي الخطاب قتادة: ( قلتُ لأنس: أكانت المصافحة في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم ) .3
وعن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مسلمَين يلتقيان فيتصافحان إلا غُفر لهما قبل أن يفترقا) .4
وفي المقابل نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التباغض والتقاطع بين المسلمين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ) .5
و في أخلاق الإسلام آداب عديدة لبناء المجتمع المسلم المتحاب، المتواصل، هذه الآداب عندما تمثلت لدى المؤمنين وأصبحت واقعًا في حياتهم، وفي سلوكهم كانوا لها دعاة إلى الله، ونشروا الإسلام في أقاصي الأرض..
ويقابل هذه الأخلاق العظيمة، سلوك الشحناء بين الناس، والتباغض.. و السباب..إلخ التي تنتج عن الانفعال والغضب الشديد الذي لا مسوغ له بين المسلمين، والذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرًا.
وهذا يقودنا إلى التعرف على السلوك الانفعالي من الناحية النفسية ( السيكولوجية) وخطره على سلوك الداعية، ومن ثم نتوصل إلى السلوك العقلي الإرادي، والتصور الإسلامي الصحيح لهما..
-لنسأل أولًا: ما السلوك الانفعالي ؟
-وقبل ذلك: ما هو السلوك ؟
يعرف علماء النفس السلوك بأنه المظهر الخارجي لنشاط الكائن الحي، وخاصته الأساسية هي الحركة؛ الناتجة عن تغيرات داخلية وخارجية تسمى المنبهات..
فهو إذًا نشاط جسمي أو عقلي أو اجتماعي أو انفعالي يصدر من الكائن الحي نتيجة التفاعل بينه وبين البيئة..
وفي التصور الإسلامي:
السلوك عمل له بواعث وأهداف، ويسمو السلوك بمقدار هذه البواعث والأهداف..
ونلحظ الاختلاف بين نظريات السلوك في علم النفس الغربي والسلوك في التصور الإسلامي.. في ماهية السلوك.. فالمذاهب السلوكية ترى الكائن الحي آلة معقدة، وتدرس سلوكه كما تدرس آلة لا عقل لها ولا شعور، أما العوامل النفسية الباطنية كالإرادة والتفكير فلا أثر لها في الفعل أو النتائج.6