الصفحة 974 من 3812

وهكذا فإننا نتوصل إلى أن الكائن الحي - في التصور الإسلامي - تحركه عوامل ودوافع داخلية فضلًا عن المنبهات الخارجية.. ويختلف سلوكه بحسب استجابته للمنبهات ولبواعثه وأهدافه.. وأعلى درجة له هو السلوك العقلي الإرادي، الذي يصدر باختيار الإنسان، وهو سلوك هادئ رزين، وهناك السلوك الانفعالي.. الذي يعرفه العلماء بأنه تصدع واختلال بالسلوك.. و من مظاهره الغضب الشديد، والخوف، والبكاء الشديد، والضحك الهستيري.. و كلها انفعالات لا يسيطر عليها العقل ومن ثم الإرادة..

وفي التصور الإسلامي نجد أن السلوك أو العمل الذي يقوم به المسلم، من الفضائل المحمودة إن كان هذا السلوك صالحًا أو خيرًا، ودون هذا السلوك يفتقد الإنسان أهم خصائص إعمار الدنيا.

والسلوك الصالح في الإسلام هو نتيجة الإيمان الصادق لدى المسلم، ومن هنا اقترن الإيمان بالعمل في الآيات القرآنية في ( 69 ) موضعًا ومن هذه الآيات:

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} الكهف/107

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمِْ} يونس/9

و سلوك الإنسان المسلم وعمله في الحياة هو مجال الاختبار والامتحان الإلهي: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} الملك/2

لنعود الآن إلى مفهوم السلوك من الناحية النفسية في التصور الإسلامي حتى نؤكد أن علماء الإسلام درسوا الإنسان نفسيًا وعقليًا، بل سبقوا علماء الغرب في ذلك بقرون عدة..

فهذا ابن تيمية - رحمه الله - الذي درس الإنسان بعمق، يؤكد لنا أن السلوك والعمل ينتج عن الإرادة الحرة، الاختيارية في الإنسان، يقول في كتابه - درء تعارض العقل والنقل -: {فإن الإنسان حساس متحرك بالإرادة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم (أصدق الأسماء الحارث وهمام ) فإن الإنسان لابد له من حرث وهو العمل والحركة الإرادية، ولابد له من أن يهم بالأمور، منها ما يهم به ويفعله، ومنها ما يهم به ولا يفعله، فإن كان المراد موافقًا لمصلحته كانت الإرادة حسنة محمودة، وإن كان مخالفًا لمصلحته، كانت الإرادة سيئة مذمومة، كمن يريد أن يضر عقله ونفسه وبدنه} .7

ونفهم من قول ابن تيمية - رحمه الله - أن الإسلام يحض على السلوك الإرادي العقلي أو السلوك المتزن البعيد عن الانفعال، والذي يحقق الخير للإنسان في الحياة الدنيا والآخرة.

أما السلوك الانفعالي الناتج عن اختلال الإرادة فليس فيه مصلحة ولا خير، بل فيه مضرة كبيرة للبدن والعقل والنفس ويهبط بالإنسان إلى درجة دون درجة الإنسان العاقل.

ونجد هذا التصور أيضًا عند أبي حامد الغزالي - رحمه الله - حيث يميز بين مستويين من السلوك، مستوى يقترب فيه من باقي الكائنات الحية، ويتميز هذا السلوك بتحكم الدوافع والعوامل الاندفاعية.. ومستوى آخر يحقق فيه مثله العليا، ويقترب فيه من المعاني الربانية، ويتميز هذا السلوك بتحكم الإرادة وسيطرة العقل.8

وهكذا نجد أن الغزالي يَصِم السلوك الانفعالي بالهبوط نحو الحيوانية التي تتحكم فيها الغرائز والأهواء المتعددة - وهو يقصد هنا السلوك الانفعالي الشديد - .

ونتوصل أخيرا إلى آثار السلوك الانفعالي الشديد على الجسم والعقل والسلوك..

-أما آثاره في الجسم فتظهر بتغير اللون وشدة الرعدة في الأطراف، واضطراب الحركة والكلام، وخروج الانفعال بعامة عن الاعتدال.

-وأما آثاره في العقل، فيكون بتعطل النشاط الذهني والتفكير بعامة؛ وهو يخرج الإنسان عن دائرة العقل و الشرع، فلا يبقى به بصيرة أو فكرًا أو اختيارًا.

-وأما آثاره في السلوك فتظهر باندفاع الفرد إلى القيام بأعمال تختلف درجتها باختلاف درجة الانفعال.

فإذا كان الانفعال معتدلًا، كان مُنَشِطًا، ويقوم بوظيفة حيوية مهمة في عملية الدفاع عن النفس، وحفظ البقاء، لذا ميز العلماء بين سلوك منفعل وسلوك غير منفعل، والفرد الذي يفقد انفعال الغضب بشكل كامل يعد إنسانًا ناقصًا..

وقد صدق الإمام الشافعي - رحمه الله - حينما قال: (من استُغضب ولم يغضب فهو حمار) فمن فقد قوة الغضب والحمية أصلًا فهو ناقص.9

أما إذا كان الانفعال شديدًا، نتج عنه آثار سلوكية ضارة في الفرد وضارة في المجتمع.

أما الآثار السلوكية في الفرد على مستوى الفرد فهي الصوت المضطرب المرتفع والتلفظ بألفاظ غير أخلاقية، وقد يتعدى ذلك استعمال الأيدي والأسلحة.. و ارتكاب الجرائم..

من هنا نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذا النوع من الانفعال فقال لمن سأله أن يوصيه بقوله: ( لا تغضب ...) كررها ثلاثًا.

وأما أضرار الانفعال على مستوى المجتمع فإنه يفسد العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع؛ حيث تكثر المشاحنات والخلافات بين الناس.

وعودٌ على بدء فنقول مرة أخرى:

لو أن المعلمة الداعية قابلت التلميذة التي وجدت فيها شذوذًا في السلوك والأخلاق بالانفعال والغضب منها، أو صاحت بوجهها ونهرتها.. لزادت حالة الطفلة سوءًا، ولحقدت على المجتمع كله، وتحولت إلى إنسانة غير سوية نفسيًا وتربويًا..

و لكنها قابلتها بعقل هادئ وأخلاق إسلامية ملتزمة.. فضلًا عن العطف والحنان الذي امتلأ قلب المعلمة بهما..

وبهذا الأسلوب المِعطار في المعاملة.. أنقذت الطفلة من شعورها الحاقد على الآخرين، تجاه ما لاقته من البيئة المحيطة بها.. وحولتها بتوفيق من الله إلى فتاة صالحة في المجتمع..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت