فهرس الكتاب
اذًا ليس العيد مظاهر ومباهج فارغة، ولا مظاهر وفوضى، بل العيد الإسلامي شكر للمنعم واعتراف بفضله وإظهار واستبشار بنعمته، العيد الصحيح أن نعود بفضلنا وخيرنا على غيرنا، يعود بعضنا بعضًا بالزيارة والسلام والوئام، والصفاء وعدم الجفاء، بالحب الصادق والمودة الخالصة، العيد تواصل وتواد وتراحم ليتحقق المعنى واللفظ في حياة الأمة, في العيد يتبادل الناس التهنئة الشرعية المعروفة لدى الصحابة والسلف الصالح أيا كان لفظها، من عبارات التهنئة المباحة، وقد ورد ما يدل عليها من كلام السلف كالإمام أحمد وغيره ممن يُعتد بقولهم ويُتأسى بفعلهم،من مشروعية التهنئة بالمناسبات، وتهنئة الصحابة بعضهم لبعض عند حصول ما يسر واندفاع ما يضر، ولاشك أن مثل هذه التهاني بين المسلمين في حدود الشرع المطهر من مكارم الأخلاق ومعالي الأمور ومحاسن الشيم ونبل الطباع .
وقد قال العلماء في ذلك أن تهنئ من هنأك بالعيد وتسكت إن لم يفعل ذلك وهذا أقل القليل وهذا مروي عن الإمام أحمد حيث قال: إن هنأني أحد أجبته وإلا لم أبتدئه، بهذا وأمثاله من تشريعات الإسلام العظيمة يقارب الإسلام بين الناس في تراحم ودود دون حقد، ويرسم طريقًا وسطًا مسلحًا بالعقيدة الصحيحة التي تحكم وتقارب بين الجميع وبالوازع الديني المنظم وهذا هو سمة الحياة الاجتماعية وأساسها في الإسلام، وهو نظام تربوي متميز يوقظ ضمير الفرد وحساسيته، ويثبت ويقوي شخصيته وإرادته ذلك إن تربية الفرد على هذا الأساس إنما هو إعداد له في ميدان الحياة الاجتماعية ولهذا التهذيب والتأديب نتائجه في السلوك الاجتماعي والإنساني المطلوب عقلًا وشرعًا وهي دروس رائعة وكفيلة بأن تهيئ للمجتمع المراد لبناته من طراز ممتاز.
ولقد قال علماء التربية من المسلمين إننا نعيش لأنفسنا حياة مضاعفة حينما نعيش للآخرين، ويقولون أيضًا وبقدر ما نضاعف إحساسنا بالآخرين نضاعف إحساسنا بحياتنا ونضاعف هذه الحياة ذاتها في نهاية المطاف، ويقولون أيضًا أن الشر ليس عميقًا في النفس الإنسانية وإن كان البعض يقول أو يتصور ذلك خاطئًا، إن الناس إذا أمنوا منك إذا ألفوك، إذا أحسوا بالمودة الصادقة من جانبك تكشفت تلك القشرة،عن صفات كريمة وطباع سليمة وأخلاق فاضلة، وهي حاصلة لصنف واحد فقط تربى على الإسلام وعلى مائدة القرآن , يُشعر الناس بالود الصادق بالأمن الحقيقي بالثقة في مودته والقرب منه، بالصفح واللطف عندما تصدر منهم أخطاء أو مخالفات بشرية، كم يعطي المرء لنفسه من الخير والبر والإحسان والمودات الصادقة حين يمنح الآخرين شيئًا من عطفه ولطفه وتجاوزه الكريم عن بعض أخطائهم وحماقاتهم وسفههم أحيانًا.
مناسبة العيد فرصة ثمينة ومناسبة غالية كريمة لتنمية بذرة الحب والعطف والمعروف والإحسان، في وقت يشكو الناس فيه مر الشكوى من الجفاء وعدم الصفاء، من جفاف الأخلاق وقساوة الطباع، العيد مختبر دقيق للأخلاق والطباع والتربية الصحيحة، إن النبل والفضل أن نزور ما نستطيع ونلتقي بمن نقدر عليه ونصافح الكثير ونصفح عن الجم الغفير ونسمو بأخلاقنا إلى الآفاق الرحبة التي أرادها لنا ديننا مشبعين بروح السماحة واليسر والعطف على الجميع العطف على ضعفهم وبشريتهم ونقصهم وخطئهم، بروح الرغبة الحقيقية في التصافي والتواد والتراحم .
ويوم كانت هذه الأمة واعية لنفسها مدركة لرسالتها العظيمة في الحياة كان الواحد منهم ليلة العيد وغيرها يفكر في جاره وصديقه وقريبه قبل أن يفكر في نفسه وولده وأقرب الناس إليه ؛ لأنهم حملة رسالة ودعاة خير وفضيلة وحملة سلام ووئام ومحبة، كان الواحد منهم يقدم حوائج إخوانه على حوائجه حيث الأريحية والصبغة الإسلامية صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون وهذا هو التعبير الصادق عن سمو الأخلاق في أمة الإسلام ولذلك يحس الجميع بفرحة غامرة تهز كيانهم وأبدانهم، وتشرق وجوههم وتبسم شفاههم وتضيء جباههم .
قال أحد العلماء في هذا إننا حين نتلفت لنجد هذه العذوبة وهذه الخصوبة أو تلك الفرحة في أعيادنا لا نجد منها إلا ظلًا خافتًا أو خيالًا كاذبًا وكأنما تغيرت هذه الأعياد فبقيت لها الأسماء وزالت عنها الصفات والسمات والخصائص، ولِمَ لا وكان العيد في ماضينا فرحة بفوز الفكرة العابدة فأصبح في حاضرنا لدى البعض تجاوزًا للفكرة العابثة .
والإسلام بحكم شموله وتميزه يدرك تمامًا معنى الطبيعة البشرية، فأوجب تزكيتها أي تربيتها وتهذيبها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها وجعل الإسلام هذه التربية وهذه التزكية على أساس إسلامي متين، وجعل أساسها وجذرها المتين هو التهذيب والترتيب والتأديب لا الكبت فقط، إنه لا يترك الإنسان وطبعه بالمعنى الخاطئ، بل يعطي ضرورات الجسد نصيبها المفيد والمقبول والمعقول إن لبدنك عليك حقا كما أنه ينمي أشواقه الخيرة وتطلعاته النيرة ويعطيها نصيبها المعقول أحب لأخيك ما تحب لنفسك, إنه يوازن بين هذه وتلك موازنة دقيقة مفيدة .