قال شيخنا: والتحقيق أن أصل دينهم دين التوحيد فليسوا من المشركين في الأصل، والشرك طاراء عليهم، فهم منهم باعتبار ما عرض لهم لا باعتبار أصل الدين، فلو قدر أنهم لم يدخلوا في لفظ الآية دخلوا في عمومها المعنوي وهو كونهم نجسا، والحكم يعم بعموم علته] [1]
وقال العلامة الشنقيطي -رحمه الله-: [فتأمل قوله تعالى في اليهود والنصارى: «سبحانه عما يشركون» يظهر لك صدق اسم الشرك عليهم فيتضح إدخالهم في عموم «إنما المشركون نجس» ، ووجه الفرق بينهم بعطف بعضهم على بعض، هو أنهم جميعا مشركون، والمغايرة التي سوغت عطف بعض المشركين على بعض، هي اختلافهم في نوع الشرك، فشرك المشركين غير أهل الكتاب، كان شركا في العبادة، لأنهم يعبدون الأوثان، وأهل الكتاب لا يعبدون الأوثان، فلا يشركون هذا النوع من الشرك، ولكنهم يشركون شرك ربوبية، كما أشار له تعالى بقوله «اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباب من دون الله» الآية، ومن اتخذ أربابا من دون الله فهو مشرك به في ربوبيته، وادعاء أن عزيرا ابن الله والمسيح ابن الله من الشرك في الربوبية، يستلزم الشرك في العبادة، قال تعالى: «وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون» ] [2]
ولا شك أن لأهل الكتاب أحكامًا قد خصهم بها الشرع كحل ذبائحهم ونكاح نسائهم، ولكن هذا لا يخرجهم عن كونهم مشركين، ولا يعني أن اسم الشرك ليس شاملًا لهم ولا منطلقًا عليهم، ولهذا فالأصل أن جميع أحكام المشركين تعمهم إلا ما أخرجه الدليل منها كالتي أشرنا إليها.
فما ذهب إليه الإمام الطحاوي من أن جواز الاستعانة خاص بأهل الكتاب، إن كان ذلك مبنيًا على دليل مستقل استثناهم من عموم النهي عن الاستعانة بالمشركين، فهو مقبولٌ، أما أن يكون تجويز ذلك بناء على أنهم غير داخلين في النهي أصلًا لعدم شمول لفظ «المشركين» لهم فهذا غير صحيح، وهو بعيد جدًا والله تعالى أعلم.
ولهذا لما أشكل على الإمام الطحاوي -رحمه الله- حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه، والذي قال فيه: [خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى إذا خلَّف ثنية الوداع نظر وراءه، فإذا كتيبة خشناء قال صلى الله عليه وسلم: من هؤلاء؟ قالوا: هذا عبد الله بن أبي بن سلول في مواليه من اليهود من بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، فقال: أوقد أسلموا؟ قالوا: إنهم على دينهم، قال: «قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على
(1) - (أحكام أهل الذمة: 1/ 399 - 400) .وقد رد الإمام ابن حزم القول بأن أهل الكتاب ليسوا مشركين بإسهاب فليراجع في كتابه (المحلى2/ 865) فإنه مهم. ٌ
(2) - (الرحلة إلى أفريقيا: 2/ 38) . وله في المسألة مبحث في كتابه القيم (دفع إيهام الاضطراب: 47) ، وبمثل هذه الأقوال يتعلق بعض المنهزمين المعاصرين الذين يحاولون جهدهم التقرب إلى الغرب والتملق لساسته ومفكريه، إلا أن الفرق بين أولئك الأئمة العظماء وبين هؤلاء المستسلمين أن منطلق أولئك هو الدليل الشرعي والبحث المتجرد فأخطأوا في مثل هذه المسائل كما يقع الخطأ في غيرها، أما مبعث المعاصرين ومنبع تأصيلاتهم وتأويلاتهم هو الانهزام النفسي ومسايرة الواقع فأعمالهم منصبة على تطويع الأدلة وإخضاعها لأهوائهم وأهواء ساستهم وسادة ساستهم وليست متوجهة إلى الخضوع لها والسير وراءها فشتان بين خضوع الأولين وإخضاع المعاصرين.